الاثنين، 19 ديسمبر 2016

بحب السيما: السينما الهندية الحديثة.. الممتعة

بقلم: رحاب البارودي

أعترف ... لست من هواة الأفلام الهندية، وعلاقتي بها انقطعت منذ سنين مراهقتي البعيدة، فبمجرد انتهاء هذه الفترة المغرقة بطبيعتها النفسية في الميلودراما والرومانسية، أسقطت تماما هذه السينما من حساباتي، فأنا لا أريد أن أضيع من وقتي ثلاث ساعاتٍ أمام أحداث غير معقولة ولا مبررة ولا واقعية، وأعترف أن هذه النظرة أبعدتني تماما عن السينما الهندية وجعلتنى أحكم عليها بالفشل وإن كان هذا قصورٌ مني.

ولكن ... الذي دفعني لتغيير نظرتي في السينما الهندية هو في الواقع ثلاث أفلام "هندو-أمريكية"، أقول هذا لأن حوار هذه الأفلام هو خليط بين الهندية والإنجليزية الأمريكية، فضلا عن مشاركة ممثلين أمريكيين في التمثيل، كما أن قصص هذه الأفلام تجري على أرضٍ أمريكية، هذه الأفلام على التوالي هي الكبرياء والتحامل 2004، سيدة التوابل 2005، إنجلش فينجلش 2012.

الكبرياء والتحامل 2004:

يظهر من اسم الفيلم أننا أمام عمل مأخوذ عن رواية (جين أوستن) الإنجليزية الشهيرة، لكن الجديد هنا هو المعالجة الشرقية للقصة، شاهدت الفيلم منذ فترة طويلة، ولكن علق بذاكرتي منه رؤية بصرية مذهلة، فالشاشة تحفل بألوان مبهجة نقلتنا - على الرغم من غربية الإنتاج - للهند مباشرة، فالإضاءة القوية، والمهرجان اللوني المحتفى به في أغلب مشاهد الفيلم، تهيء المشاهد لرحلة درامية في الهند، الفيلم هنا ناقش بجوار فكرة الرواية الكلاسيكية (كبرياء وتحامل كل من المرأة والرجل) فكرة كبرياء وتحامل الشرق على الغرب والعكس، مما أعطى العمل بعدا دراميا ثريا.

الفيلم بطولة أشوريا راي، ومارتن هندرسون، إنتاج 2004، وحقق 24.7 ميلون دولار في شباك التذاكر على مستوى العالم، وأنصح عشاق الأفلام اللايت رومانسي بمشاهدته، فهو تجربة لطيفة وعميقة، فضلا عن متعة الأغاني الهندية المصحوبة بالرقصات المنفذة بإبهار، وتفوق إخراجي حقيقي يحسب للمخرج، مع قدرته على تحريك هذه الجموع الكبيرة بهذه الدقة التي حققت في النهاية متعة المشاهدة.

سيدة التوابل 2005:

يأخذ هذا الفيلم المشاهد لتجربة روحية شرقية تجوب طرقات سان فرانسيسكو، والفيلم مأخوذ عن رواية للكاتبة الهندية "شيترا ديفاكاروني" التي صدرت عام 1997، وتحكي الرواية قصة فتاة صغيرة اشتهرت في قريتها بقواها الروحية، فهي تستطيع كشف أماكن الأشياء المفقودة، حيث تدربت الفتاة على يد سيدة هندية تعتقد أن للتوابل سحرٌ خاص، وأن كل نوع من أنواع التوابل يمكنه أن يقدم هبة من هبات الحياة لمستخدمه، ثم تذهب الفتاة بعد إتمام تدريبها لتفتتح متجرا للتوابل في أمريكا، ومن هنا تبدأ أحداث الفيلم، فالفتاة التي تجيد استخدام التوابل لمساعدة زبائنها، لا تستطيع أن تستخدم هذا السحر لمصلحتها الشخصية وإلا تأذى زبائنها وانقلب عليهم السحر فتتحول المساعدة لشقاء، وخلال أحداث الفيلم نرى "تيلو" تهدي صديقها الباكستاني هارون أعشابا معينة تجعله ينسى الذكريات المؤلمة التي تعرض لها في طفولته، كما تعطي زبائنها أعشابا تجلب الحظ أو الحب أو الصداقة ... الخ.

ومع قدرتها الهائلة على حفظ ومعرفة جميع أنواع التوابل والبهارات التي كانت تزرعها في حديقتها فوق سطح المتجر، إلا أنها تمتلك كذلك قدرات سحرية في معرفة المستقبل، وفي يوم من الأيام، تشعر بوقوع حادث مروري لتفاجأ بأنه الشاب الأمريكي الذي يؤدي دوره النجم "ديلن ماكديرموت"، والذي كانت تتبادل معه النظرات منذ فترة وتقرر مساعدته، ومعالجة جروحه بواسطه أعشابها السحرية، الأمر الذي يؤدي لوقوعها في حبه، مما يجعلها تتجاوز قسمها وينقلب تأثير البهارات على زبائنها، ومن خلال أحداث الفيلم نستطيع ملاحظة معاناة المغتربين في أمريكا، وتعارض الثقافتين الشرقية والغربية وما قد يقدمه الجيل الجديد من المغتربين من تنازلاتٍ حتى يمكنه التأقلم مع المجتمع.

الفيلم على المستوى الروحاني قيم ومثير، ولكن على المستوى المنطقي مختزل ومجتزء، خاصة مع المشاهد غير القاريء الذي قد لا يكون تعرض للرواية من قبل، أداء آشوريا رائع وعلى مستوى روحانية الفيلم، لكن أداء النجم الأمريكى لم يرتق لمستوى آشوريا، كما جاءت الخدع البصرية ضعيفة وغير مقنعة، الفيلم ناطق بالإنجليزية ولكنه هندي القصة والأبطال والروح والطابع، ويعتبر تجربة روحية رائعة مدعمة بموسيقى شرقية تكمل القالب النفسي للفيلم وتهيء المشاهد لكل مشهد ببراعة.

أنجليش فنجليش 2012:

قرأت عن الفيلم مقال رائع حرضني على المشاهدة، والحقيقة لم أندم، فالفيلم رائع مكتمل العناصر، فالأداء متمكن، والقصة محبوكة، والإخراج متقن، والرسائل اللاشعورية التي يعطيها الفيلم للمشاهد مشبعه وغنية، فيحكي الفيلم عن سيدة هندية ربة منزل وزوجة لرجل أعمال، وأم لمراهقة وطفل صغير، تدير عمل صغير من المنزل، فهي تطهو نوع من الحلوى الهندية وتبيعها لأفراد ومؤسسات صغيرة، وهي ناجحة في ذلك جدا ولكنها غير ناطقة بالإنجليزية، ونتوقف هنا قليلا، حيث أن الفيلم يعطينا رسالة قوية أن الشخص الأمي في الهند ليس الذي لا يكتب ولا يقرأ، ولكنه الشخص الذي لا يتحدث اللغة الإنجليزية - لغة العلوم والمعارف الحديثة عالميا - وجهل (شاشي) بطلة الفيلم بهذه اللغة كان مصدر إحراج لابنة شاشي المراهقة منها، وسببا في استهانة زوجها بها وبعملها، فهو يراها مجرد طاهية، وهي نفسها تعلم ذلك، فتلقي عليه جملة كاشفة لكنه لم يلتفت لها، فتقول له أنه لولا طعامها الشهي ما كان عاد للبيت، ويتغير كل شيء بدعوة من شقيقتها المقيمة بأمريكا، والتي تطلب منها أن تزورها لتساعدها في تجهيزات زفاف ابنتها، فتذهب شاشي وحدها على أن تتبعها باقي الأسرة بعد ثلاث أسابيع، وتأخذ معها كل ما ادخرته من أموال من عملها، وفي المطار تقابل رجل هندي عجوز يقوم بدوره النجم "أميتاب باتشان" الذي يؤكد لها أن عليها أن تتعلم الإنجليزية لكن بدون أن يقول لها ذلك صراحة، ويؤكد لها أيضا أن عليها الاعتزاز بنفسها، فهي زائرة محترمة من بلد محترم ويدعم ذلك عمليا في إجابته على موظف الجوازات بالمطار في أمريكا عندما سأله لماذا تزور أمريكا؟ فقال أنا هنا لأساعد اقتصاد بلدكم بصرف قليل من مالي على أرضكم !!!

إن "أميتاب باتشان" في ظهوره الرمزي كان عميق، ومؤثر، وبليغ، وأوصل رسالة الفيلم اللاشعورية الثانية.

تصل شاشي لأمريكا وتمر بمواقف محرجة نتيجة عدم إجادتها للإنجليزية تصل ذروتها ثاني يوم عندما تدخل مطعم وجبات سريعة فلا تستطيع أن تطلب طعامها، ويسخر منها زبائن المحل، وتخرج دون أن تأخذ الطعام الذي دفعت ثمنه، فتقرر شاشي أن تدفع معظم المال الذي ادخرته من عملها وجاءت به معها لتتعلم اللغة الإنجليزية خلال شهر، وهنا يعطينا الفيلم رسالته الثالثة أن الاستقلال المادي هو الداعم الحقيقي للتغير.

تنخرط شاشي في دروس اللغة الانجليزية، وتحب زملائها، وتلفت نظر الشيف الفرنسي لورانت الذي يقوم بدور الفرنسي من أصل جزائري مهدي نيبوو، ويحبها لورانت ومن خلال مشهد معبر يكشف لورانت أنه يأتي دروس الإنجليزية فقط ليقابل شاشي، وفي دروس الإنجليزية أيضا تأتينا رسالة الفيلم الرابعة عندما يتخلف المدرس عن أحد الدروس نظرا لإنفصاله عن حبيبه (المدرس مثلي الجنس)، وتدور أحاديث النميمة بين الطلبة فتنهرمهم شاشي عن ذلك موجهة نظرهم إلى أن كلنا كبشر لدينا عيوب، فلا يجب أن يحكم مخلوق على آخر.

وعلى غير ما هو متوقع تأتي أسرة شاشي مبكرا لتقرر أن تنقطع عن الدروس، ولكن إبنة أختها تظل تدعمها وترجوها أن تذهب للدرس، فهى الوحيدة التي كانت تعرف أن خالتها تتعلم الانجليزية، وتظل تخلق الظروف التي تساعدها بها على الذهاب للدرس، وعندما تقرر شاشي الذهاب من وراء أسرتها لتقابل الفرنسي لورانت الذي يدعوها للجلوس على أحد المقاهي، وبدون أن تنتبه شاشي تطلب طعامها كاملا بدون تلعثم وباللغة الإنجليزية، وتعود لتجد أن طفلها الصغير أصاب قدمه، فتقرر أن أمومتها أهم من أي درس، وتقرر أيضا هجر دروسها على الرغم من قرب الإنتهاء وموعد الامتحان، وعلى الرغم من هذا تظل إبنة أختها تلح عليها في الذهاب لأداء الإمتحان، وهنا تأتي رسالة الفيلم الخامسة وهي أن كلٌ منا يحتاج في النهاية لشخص يدعمه ويدفعه ويجعله يرى نفسه قادرا على الإنجاز.

تقرر شاشي أن تصنع هدايا العرس من حلواها التي تجيدها وبعد الإنتهاء تذهب لأداء الامتحان، وهو عبارة عن خطبة لمدة خمس دقائق بالإنجليزية، لكن طفلها الصغير يتلف كل ماعملته ليضيع الوقت دون أن تستطيع الذهاب للامتحان فتدعو إبنة أختها كل زملائها بالمدرسة والمدرس للعرس، لتفاجأ شاشي الجميع بخطبة رقيقة وعميقة عن الحياة الزوجية، فتوصل لزوجها رسالة أنها قادرة على الإنجاز وتستطيع أن تكون أي شيء هي تريده، وأن الحياة الزوجية شراكة متعادلة عندما يقل أحد الشركاء عن الآخر في إحدى مراحل الحياة يكون من واجب الشريك الآخر أن يدعم شريكه حتى يعود مساويا ومتكافئا معه مرة أخرى فتتحقق لهم السعادة، وهنا يعلن المدرس أن شاشي بهذه الخطبة أصبحت حاصلة على شهادة إجادة اللغة الإنجليزية.

الرسالة التي تحتويها الخطبة من أهم رسائل الفيلم، فنرى زوجها بعدها مباشرة يسألها هل ما زلتي تحبيني فترد مبتسمة بالتأكيد، ولذلك وضعت لك قطعة حلوى أكثر من الآخرين في طبقك !!

رسائل فيلم أنجلش فنجلش من أهم عناصر نجاحه، الفيلم ممتع وهو بطولة الهندية سراديفي والفرنسي مهدي نيبوو، الفيلم متعة عقلية شعورية صافية، أنصح به محبي السينما الجميلة الممتعة، الأفلام الهندية الثلاثة السابقة شكلت بالنسبة لي أضلاع مثلث النجاح، وهو المتعة البصرية والروحية والعقلية، فاستحقت السينما الهندية الحديثة لقب "السينما الممتعة"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق