بقلم: رحاب البارودي
يعد عام 2016 من الأعوام المزهرة في صناعة السينما الأجنبية, حيث انتهى برصيدٍ ضخمٍ من الأفلام التي تنوعت في تصنيفها ما بين الدراما، والكوميديا، والتسلية، والترفيه، والفكر، والواقعية، والخيال ... إلخ، وقد لوحظ أن الأفلام التي حققت نجاحاً جماهيراً ساحقاً، وعائداً أعلى في شباك التذاكر, كانت تلك الأفلام التي تندرج تحت تصنيف الخيال والتسلية، فمن خلال إلقاء نظرة على List of 2016 US box office نجد أن الاتجاه العام لأذواق الجماهير اتجه للأفلام التالية:
1. Finding Dory Disney $486,295,561.
2. Captain America: Civil War $408,084,349
3. Rogue One: A Star Wars Story $393,554,705
4. The Secret Life of Pets Universal $368,384,330
5. The Jungle Book Disney $364,001,123
6. Deadpool 20th Century Fox $363,070,709
7. Zootopia Disney $341,268,248
8. Batman v Superman: Dawn of Justice Warner Bros $330,360,194
9. Suicide Squad $325,100,054
10. Doctor Strange Disney $229,697.31.
ومن جانبٍ آخر، نجد أن عام 2016 كان أيضاً عاماً حافلاً بالأعمال الراقية على مستوى الفكر والأداء والإخراج، حتى أنه من المتوقع أن تصنف بعض هذه الأعمال لتكون من كلاسيكيات السينما, مثل فيلم "العائد The Revenant" الذي حاز ممثل دور البطولة فيه "ليوناردو دي كابريو" على جائزة أوسكار أحسن ممثل.
أما بالنسبة للأفلام الحائزة على جائزة أفضل فيلم في المهرجانات عالمية, فسنجد أن المهرجانات السينمائية الثلاث الكبرى (أوسكار، كان، برلين) وجهت اهتمامها بالقضايا الإنسانية، فكانت جائزة أوسكار أحسن فيلم من نصيب فيلم “بقعة ضوء Spotlight”، وقصة الفيلم مقتبسة عن قصة حقيقية تكشف خفايا ادعاءات الاعتداء الجنسي في الكنيسة الكاثوليكية، والتي أثارها أحد التحقيقات الخاصة بصحيفة “بوسطن جلوب” عام 2002، حيث حاز التحقيق على جائزة “البوليتزر” للخدمة العامة عام 2003، وفيه يكشف فريقٌ محترفٌ من الصحفيين معلوماتٍ خطيرةٍ تم التستر عليها لعقودٍ طويلةٍ في الأوساط الدينية والقانونية, والتي لها لها علاقة بهيكلة المؤسسات في مدينة بوسطن الأمريكية.
بينما فاز فيلم "I’m Daniel Blake أنا.. دانييل بليك" للمخرج البريطاني كين لوتش على جائزة السعفة الذهبية لأفضل فيلم في الدورة 69 من مهرجان "كان" السينمائي الدولي، وهو بطولة "ميكى ماكجريجور"، "كولين كومبس"، و"هايلى سكوريس", وتدور أحداث الفيلم حول رجل طاعن في السن، يتعرض لأزمة قلبية، ويسعى للحصول على مساعدة من الدولة، حيث يحاول المخرج في هذا الفيلم تسليط الضوء على المظلومين اجتماعياً والمنسيين في المجتمع البريطاني.
أما جائزة الدب الذهبي لمهرجان برلين السينمائي ذهبت للفيلم الوثائقي "فوكوماري نار في البحر" والذي يروي مأساة اللاجئين إلى أوروبا, والفيلم من إخراج الإيطالي "جيانفرانكو روسي", ويروي قصة اللاجئين القادمين من أفريقيا والشرق الأوسط إلى جزيرة "لامبيدوزا" الإيطالية في البحر المتوسط آملين الدخول إلى أراضي الإتحاد الأوروبي، حيث يُروى الفيلم على لسان طفل إيطالي عمره 12 عاماً من سكان الجزيرة اسمه "صامويل بوتشيو", والطبيب "بييترو بارتولو", والذي ظل يهتم على مدى ربع قرن باللاجئين القادمين إلى الجزيرة, والذين يصلون ظمآى وجياع وخائفين، والفيلم من الأفلام الإنسانية الرائعة والمليئة بالصور الجميلة والقصص الإنسانية المؤثرة .
في إطار ما سبق تم استعراض أنجح أفلام السينما الأجنبية لعام 2016 جماهيراً وفنياً، أما على مستوى المشاهد العادي فسأحاول أن أقدم ريفيو لأفضل خمسة أفلام في 2016 من وجهة نظري الشخصية وسوف أراعي أن تكون اختياراتي للأفلام متنوعة لتلبي جميع الأذواق.
1- "العائد The Revenant":
فيلم “العائد The Revenant “مقتبس عن قصة حقيقية لصائد فراء يعيش على الحدود اسمه "هيو جلاس"، حيث تبرز قصة الفيلم معاناة البطل مع الطبيعة، والحزن وخيانة الرفاق، وفَقّد الابن، فنرى مجموعة من الصيادين جامعي الفراء ومعهم "هيو جلاس" يتعرضون لهجوم من قبل الهنود الحمر، ويحاصرهم الهنود في الغابة ويقومون باصطيادهم بواسطة السهام, لتنتهي المعركة بكثيرٍ من الدماء والأشلاء, وهروب ما تبقى من مجموعة "جلاس" في قاربهم عبر النهر، مخلفين ورائهم العديد من أعضاء المجموعة بين قتلى ومصابين، إضافةً لمعظم اللحم والفراء الذي جمعوه خلال صيدهم، ومن ثمَّ يقررون سلوك طريق الغابة باتجاه إحدى المستعمرات، وفي أثناء مسيرهم يتعرض "جلاس" لهجوم من دبٍ أبيض يحطم عظامه ويصيبه بجراحٍ بالغةٍ, تاركاً إياه بين الحياة والموت، فتقرر مجموعة "جلاس" الاستمرار بدونه، بعد أن أصبح عقبة في طريقهم, ويقرر زعيم المجموعة الدفع برجلين وابن "جلاس" للإعتناء به, على أن تكمل بقية المجموعة الطريق، إلى أن يخلف أحد الرجال ويدعى جون فيتزجيرالد "توم هاردي" بوعده ويحاول قتل "جلاس" للخلاص منه والحصول على المال, ولكن ابن "جلاس" يهب للدفاع عن أبيه فيقوم الرجل بطعنه حتى الموت أمام أعين "جلاس" ليشهد بذلك "جلاس" موت ابنه وخيانة صديقه وتركه وحيداً في الغابة ليواجه مصيره بعد أن قام صديقه بسرقة كل أغراضه، ويبدأ "جلاس" رحلته نحو البقاء، فيزحف من تحت الثلوج ليرى إبنه ميتاً متخشباً بلونٍ أزرقٍ باهت، وبعد أن يستوعب الصدمة يستعيد عافيته، مقرراً الانتقام، ليبدأ رحلة جديدة للنجاة من الغابة والهنود الحمر والانتقام من قاتل ابنه.
الفيلم مليء بالمواقف التي تدعو للتأمل والتفكير والمناظر الطبيعية المتوحشة, حيث نرى في هذا العمل معجزة حسية وجمالية وترنيمة وحشية للطبيعة والإنسان, فقد تنقل المخرج بين المنطقة الطبيعية الخلابة في أمريكا اللاتينية, والتي تتوسط الأرجنتين وتشيلي، ومقاطعتي ألبرتا وكولومبيا البريطانية الكنديتان ومونتانا في الولايات المتحدة الأمريكية، ليقدم لنا مشاهد طبيعية خلابة، جاعلاً من كل مشهد تحفة فنية ولوحة طبيعية مكتملة العناصر, ولعل مما زاد الإخراج إبداعاً وأضفى عليه مزيداً من الواقعية، الضوء الطبيعي الذي فضله المخرج فنجده ينقلنا إلى الأجواء الباردة ونحن نشاهد الفيلم في منازلنا أو صالات العرض، كما قدم لنا "ليوناردو دي كابريو" أداءً مذهلاً، استحق عنه جائزة الأوسكار بجدارة, فيلم " العائد" متعة وجدانية وبصرية للمشاهد، أنصح به محبو الدراما الراقية.
2- "فلورنس فوستر جينكنز Florence Foster Jenkins " :
استنادًا إلى قصة حقيقية، قدمت "ميريل ستريب" تحفتها الفنية لجمهورها هذا العام، حيث تدور أحداث الفيلم حول "فلورنس فوستر جنكنز"، وهي سيدة غنية من نيويورك، لديها أحلام وطموحات كبيرة للعمل كمغنية أوبرا، على الرغم من رداءة صوتها وضعف إمكانياتها الفنية، لكنها لا تمل من مطاردة حلمها والعمل على تحقيقه بدأبٍ واجتهادٍ حقيقي، وإلى جوار هذا الخط الدرامي نلمح خط إنساني يمثله النجم "هيو جرانت" في دورٍ يعد مفاجأةً بالنسبة له، ليطل على جمهوره بملامحٍ مُسنةٍ، في دور مركبٍ ومعقد، فهو يقوم بدور زوج "فلورنس"، ومدير أعمالها، الواقع بين تناقض مشاعره الناجم عن نقصها كزوجة نتيجة إصابتها بعدوى مرض تناسلي من زوجها السابق، الأمر الذى أثر على طبيعة علاقتهم الزوجية، لكنه يظهر حباً شديداً وعنايةً فائقةً بمشاعرها، وتلبية ٍمطلقةٍ لمطالبها, مع فهمٍ تامٍ لطبيعتها ومزاجها وتفاصيلها الصغيرة، وذلك على الرغم من خيانته لها وإقامته في شقةٍ خاصةٍ به (برضا فلورنس التام)، إن علاقتهم الزوجية معقدة ومحيرة، و استطاع أن يثير إعجاب المشاهد بتنقله بين المشاعر والتعبيرات المتضادة الواقع بها رغم إرادته.
الفيلم مصنف كوميدي تاريخي، فعلى الرغم من كل الدراما السابق الإشارة إليها في الفيلم, إلا أن العبقرية "مريل ستريب" قدمت كوميديا الموقف, وفجرت ضحكات المشاهدين على رداءة صوتها, وأدائها كمغنيةٍ، واعتقادها في قرارة نفسها أنها مغنيةٌ عبقرية، برغم شراء زوجها للنقاد والجمهور بأموالها. الفيلم تجربة رائعة، فهو خفيف وملهم ومبهج، ويمنح المشاهد أملاً في الحياة, ويدفعه دفعاً لتحقيق أحلامه, ويغير وجهة نظره في ترتيب أولوياته في الحياة.
3- "سولي Sully ":
يستند هذا الفيلم أيضاً إلى قصةٍ حقيقية, وهو يعد من أفضل أفلام العام، وتدور أحداثه حول حادثة وقعت يوم 15 يناير 2009، حيث قام الطيار اﻷمريكي "تشيزلي سولنبيرجر" الشهير ب "سولي" بعملية هبوط اضطراري بطائرته فوق سطح نهر هادسون، وأنقذ حياة 155 من ركاب الطائرة، ولكن بالرغم من بطولته ومجازفته الكبيرة في الهبوط على نهر هادسون إلا أنه تم اتهامه بالتقصير والإهمال.
الفيلم بطولة الممثل العبقري "توم هانكس" مع "أرون إيكهارت", ويعلي الفيلم من قيمة العقل الإنساني وقدرة العامل البشري على التفوق على الأجهزة والآلات، كما يعلي من قيمة التفاني في العمل، والخبرة، والإتقان، ويظهر لنا الجانب الإيجابى للإدارة في أمريكا، حيث يحاسب المخطيء حتى ولو كان بطلاً قومياً في نظر الجماهير والرأي العام. الفيلم قيّم، وأنصح بمشاهدته، خاصةً للمراهقين والشباب لا سيما وأنهم في حاجةٍ إلى القدوة، وتأصيل قيمة إتقان العمل وإعمال العقل، وتعلم القدرة على إتخاذ القرار.
4- “منزل الآنسة بيرغرين للأطفال المميزين Miss Peregrine’s Home for Peculiar Children”:
يبدأ الفيلم بداية غامضة تدور حول “جايكوب” الفتى الذي يعثر على جده ملقً خلف حديقة منزله وقد انتزعت مقلتا عينيه, فألقى عليه جده ببعض الكلمات الغامضة قبل أن يلقى حتفه إثر الحادث الغامض، فتلقي الحادثة بظلالها على حياة المراهق "جايكوب"، مما يدفع أبويه لزيارة الطبيب النفسي لعلاج ابنهم، فينصح الطبيب بسفره لتغيير الجو بصحبة والده للمكان الذي تربى فيه جده ليكتشف هناك لغز غامض يمتد خلال العوالم والأزمنة المختلفة، وعند زيارة المنزل يكتشف مكان ساحر وغريب يسمى ”منزل الآنسة بريجرين للأطفال المميزين” ويزداد الخطر عندما يصل “جايكوب” إلى المقيمين في ذلك المنزل ويعرف أنهم يمتلكون قوىً خارقة، وأن هناك كائناتٍ شريرة هي التي قتلت جده وانتزعت مقلتاه, وأن الأطفال مهددون بنفس المصير، كما يكتشف “جايكوب” في النهاية أن قواه الخارقة هي الوحيدة القادرة على هزيمتهم وإنقاذ أطفال المنزل وحمايتهم.
الفيلم مصنف فانتازيا عائلية، بطولة إيفا جرين، وصامويل جاكسون وهو فيلم مسلي ويعطي رسالة للأطفال مفادها تقبل الآخر، وإدراك أن الإختلاف ليس عيباً بالضرورة, ولكن من الممكن أن يمنحنا الأختلاف قدرة على إرتياد عوالم جديدة أرحب وأوسع لم نكن نعلم عنها لو لم نكن مختلفين.
5- علي ونينو:
فيلم علي ونينو تجربة رومانسية ساحرة, وسينما مختلفة جداً، والفيلم يعتبر نموذج للأمم المتحدة بالفعل وليس مجازاً, فبطل الفيلم الفلسطيني آدم بكري، والبطلة هي الأسبانية "ماريا فالفيردي"، مع الممثل التركي الشهير "خالد أرجنيتش" المعروف في عالمنا العربي بالسلطان سليمان، وسيناريو البريطاني الحاصل على جائزة الأوسكار "كريستوفر هامبتون", والفيلم من إخراج البريطاني من أصل هندي، "أصيف كاباديا".
تدور أحداث الفيلم خلال 6 سنوات تبدأ في عام 1914 وتنتهي في عام1920 في باكو بأذربيجان حول قصة حب رومانسية ناعمة بين نبيل فارسي مسلم من أذربيجان "علي خان شرفنشير" وأميرة مسيحية أرثوذكسية من جورجيا "نينو"، ويعالج الفيلم العلاقة بين الإسلام الفارسي/الشيعي والمسيحية الأرثوذكسية، وبين الشرق والغرب، وبين التخلّف والحداثة، وبين الحضر والجبل، وبين الولاء للقلب والولاء للعقيدة، وينتهي الفيلم بنهاية قاسية؛ حيث يموت البطل "علي" وهو يدافع عن أذربيجان في حربها ضد البلشفيين بعد ثورة عام 1917.
الفيلم يقدم نظرة على جزء من العالم لم يتعاطى معه عالمنا كثيراً رغم قربه منا بحكم الموقع والديانة، كما يكشف حقيقة الاستعمار في كل زمانٍ ومكان, والقائمة على الدم والسرقة، فأذربيجان من البلدان الغنية جداً بالبترول مما دفع السوفييت للطمع في الدولة الناشئة، كما يقدم دلالات حقيقية على أن العلاقات الإنسانية لا يعوقها الدين بقدر ما يعوقها الطمع الإنساني. الفيلم متعة صافية لمحبي الأفلام الرومانسية، كما أنه سيروق لمحبي الأفلام التاريخية المختلفة، ويخاطب الوجدان والحس الوطني. وأخيراً بقي أن أقول أن الفيلم مرشح للعرض والمنافسة في مهرجان برلينفي دورته القادمة, وأتمنى له النجاح والفوز فهو من الأفلام المهمة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق