بقلم: أمير مصطفى
كيف تشاهد عرض ديودراما، أجنبية، مستقلة، وتستمتع بها؟!..
جواب هذا السؤال الكارثي يتألق من خلال عرض (إن كنت) الذى قدمه للمسرح الفنان محمد خميس بإمكانيات لا تذكر، في بداية العرض يفتح المسرح على البطلة وحيدة تكتب حكاية أطفال ولا تكملها حين تصل لنقطة ذكر فيها حادث ما، وتستعرض البطلة تلك (الكارثة) التى صار الحديث عنها (تابو) محرم فى جمل غامضة لا تشي بمضمون الحادثة، فقط تتحدث عن آثارها ثم يظهر لها الأب ليشاركها إرهاصاتها النفسية..
هنا نبدأ الولوج إلى عالم المرآة المسحورة؛ وكأنها (أليس) تقودنا عبر رحلة من المتعة قوامها نحو أربعين دقيقة تثير فى نفوسنا الكثير من التساؤلات المحببة للنفس، فى خطوة واسعة نحو فهم ذواتنا وذوات الآخرين..
المسرحية المقدمة من فصل واحد هي تناول مصرى لمسرحية (لو كنت مع أبي) للكاتب هيساشي إينوي (2010 – 1933) الذى يعد أحد أهم كتاب المسرح الرواد في اليابان، بالإضافة إلى كونه كاتب قصص مصورة وروايات، وقد تحول نص مسرحية (لو كنت مع أبي) إلى فيلم سينمائي إنتاج عام 2004 تحت عنوان وجـــه جيـزو The Face of JIZO..
تدور أحداث المسرحية في هيروشيما- بعد ثلاث سنوات من انفجار القنبلة النووية الذي دمر المدينة والذي أنهى الحرب العالمية الثانية- عن الفتاة “متسويــه Mitsue” ذات الــ 26 عاما والتي نجت من الهجوم النووي بأعجوبة وتشعر بالذنب الشديد لأنها نجت بينما مات الآخرون، لذا تحاول أن تكبت مشاعر الحب نحو الشاب "تاكيـــزو" الذي يحبها ويحاول جاهدًا إقناعها بأن تعيش حياتها…
كيف سيظهــــر أبوها؟ وماذا سيفعل؟
كانت براعة التمصير والإعداد الفذ للعرض تتمثل فى عدة نقاط بالغة الأهمية وتمثل إجابة التساؤل الذى طرح فى أول الأمر: كيف تقدم ديودراما أجنبية مستقلة؛ ويستمتع بها المشاهد المصري؟!.. والإجابة تتلخص في دقة نقل المسرحية للجمهور المصري عن طريق التخلص من كل الدلالات التى تشير للمكان والزمان الأصليين للحدث وتحييد كافة الشواهد والأسماء- باستثناء اسم الحاكم العسكرى وقتئذ- عن أي مكان أو زمان لتصير القصة المطروحة أمام المشاهد إنسانية محايدة تمامًا يستشعر معها الألفة ليظنها تدور فى مكانه وزمانه هو، وهذا هو الفن الحقيقى الباقي عبر الزمان حيث تتم (أنسنة) القصة لتصير صالحة للحدوث فى أي زمان و أي مكان ولا يستشعر المشاهد فيها الغربة، أو الغرابة فى تتابع الأحداث..
وقد أجاد المعد فى ذلك جدًا، حتى أنه أجل لحظة المكاشفة بالكارثة التى يتحدث عن آثارها العرض طوال الثلثين الأولين من زمن العرض وصارح الجمهور بها فى الدقائق الأخيرة، وإن كان قد ترك خلال العرض الكثير من الإرهاصات التى توضح ذلك للمشاهد المتمعن أو صاحب الخبرة السابقة بكارثة هيروشيما، وهو ما تألق فيه محمد خميس- مخرج ومعد وبطل العرض كذلك- حيث منح المتعة الاستكشافية تلك للمشاهد المحترف إن جاز التعبير، وكذلك منح متعة المكاشفة قبل النهاية للمشاهد الهاوي..
تلك المتعة تحققت أيضًا فى دور الأب الذى هو بطل العرض بالشراكة مع الابنة، ذلك الأب الذى هو فى الواقع ميت وغير موجود سوى فى مخيلتها فقط، وهو يمثل السلطة الروحية المرشدة للابنة، وفى الحقيقة هو المعادل الموضوعي لعقلها الباطن الذى يكاشفها دومًا بما يرفض عقلها الواعي استيعابه، منذ البداية يلاحظ المشاهد أن الأب يرتدى نفس الثياب، لا يشرب الشاى الذى تعده لنفسها وله، لا يأكل كذلك للتدليل على عدم وجوده، ويتوحد معها الأب فى فقرة أداء حركى راقص متميزة لهما- الأب والابنة – حيث تتطابق خطواتهما بما يمثل أنهما ذات الشخص وتتعارض فى القليل بما يوضح أنهما ليسا ذات الشخص فى الآن ذاته، إن الأب هو العقل الباطن الذى يصارحنا دومًا بما نتحاشى أن ندركه بوعينا..
كان تألق الأداء التمثيلى شديد الإبهار حيث كان طبيعيًا جدًا صادقًا تمامًا يخلو من أي افتعال ومبالغة الذي هو آفة المسرح المستقل، حيث الممثل دومًا ينطق الكلمة ويظهر تعبير الوجه الذى يستحيل وجوده فى الحياة الواقعية..
طوال أحداث القصة التي تتمحور حول ذكريات الابنة للحادث المحرم الحديث عنه يطالعنا خط موازٍ للقصة عن قصة حب شديدة الرقة تدور بينها وبين أحد الشبان المتمردين فى السر على أمر الحاكم العسكرى بالحديث عن الكارثة؛ حيث نجد الشاب يقوم فقط بجمع بقايا الصخور المتخلفة عن الحادث والتى تعد دليلاً ماديًا حقيقيًا على الكارثة، وهو ما يذكرني بقول جورج أوريل فى رائعته 1984: "إن مجرد قول الحقيقة فى الدول الديكتاتورية يعد عملاً ثوريًا"، وهكذا يقرر الاحتفاظ بهذه الصخور لدى الابنة التى تقبل ذلك وتشاركه فى جريمة كبرى تحت دعوى المساعدة الإنسانية وترفض مصارحة ذاتها بحبه..
نجد أن لدى الابنة عقدة ذنب غير مبررة تجاه نجاتها من الكارثة التى فقدت فيها أباها وصديقتها المقربة وكل أحبائها وتستنكر على نفسها الشعور بالحب في زمن الدمار الشامل، بل هي منذ البدء ضحية حالة من الارتباط الشرطى المؤلم لصوت الأمطار الذى يذكرها بالاختلال البيئى الناجم عن الحادثة..
وهكذا عبر كل تلك الأزمات النفسية والاضطرابات نجد الفتاة فى رحلة البحث عن حقها فى الحياة تناجي ذاتها المتمثلة فى صورة الأب وتُبقي المشاهد دائم القلق والتوتر والحزن بسببها والإشفاق عليها لتنتهي القصة بتغلبها على أوجاعها الوهمية أحيانًا- كعقدة الذنب- أو الحقيقة مثل حرمانها من رثاء الأحباء ضحايا الحادث..
وبمساعدة الأب- عقلها الباطن- تسترد ابتسامتها وثقتها فى ذاتها وتخرج فى خلال المطر متحدية مخاوفها لتقابل حبيبها الذى قررت الاعتراف له بالحب واستئناف حياتها واسترداد سعادتها أو كما قال الأب قبل اختفائه النهائى من حياتها: إننا نستكمل حياتنا من خلالك ونتمم سعادتنا بسعادتك..
كان حوار المسرحية من عوالم روايات نجيب محفوظ، حيث سرد الأحداث دومًا بالفصحى بينما الحوار باللهجة العامية وهو محاولة لتقريب رؤية صناع العمل للمشاهد وكذلك الأداء المتألق للممثلين والغناء العذب بصوت بطلة العرض، كانت كلها عوامل جذب مشوقة للمشاهد وتمنعه من الملل الذى يغلب فى الطبيعى على عروض الديودراما تلك..
وأخيرًا، لقد استطاع محمد خميس وسلوى أحمد وباقى الفريق خلف الكواليس صناعة حالة من المتعة الممزوجة بالتعريف عن حدث مأسوي فى تاريخ الإنسانية كذلك الحدث، واستطاعوا جذب حواس المشاهدين وانتباههم لآخر لحظة فى العرض، وهذا هو الدور الحقيقى للفنان، حيث انقطاع المتعة هو انتفاء للفن ذاته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق