"ابحث عن صفاء روحك لكي تعرف طريقك".. نور الدين الشمسي
تلك العبارة التي استهل بها كاتبنا- المستشار/ أشرف العشماوي- تذكرته الوحيدة للقاهرة؛ دون أن ندرك أن نور الدين هذا ماهو إلا أحد شخوص عمله، وحين ندرك ذلك ندرك أيضا أن نور الدين نفسه قد أضاع هو الآخر تلك الطريق التي يتحدث عنها!..
تلك اللحظة التي قابل فيها عجيبة نور الدين- الذي كان يبحث عنه طلبا في النصيحة- كانت في نظري الأصلح للحديث عن تلك الرواية الهامة، ليس لأن تلك المقابلة أثرت في حياة ابن سر الختم- إيجابا أو سلبا- لكن لأن لقاءه بنور الدين كان بداية التنوير في حياته ليصبح مدركا لمأساته حتى ولو لم يبدل ذلك من مصيره شيئا، فقبل هذا اللقاء كان عجيبة ذلك النوبي الطيب لدرجة السذاجة الذي استغل مرات كثيرة دون إدراك، لكن بعده أدرك سذاجته وانسياقه خلف الأكاذيب التي لا يميزها أبدا عن الصدق، الفارق الوحيد أنه علم أنه في الطريق الخاطئ حتى ولو لم يملك تبديل ذلك..
استمر عجيبة سر الختم في السير خلف أوهامه التي غذتها أكاذيب بدرو- أو بدر- ابن الطبقة الارستقراطية البائدة مع قيام حركة يوليو؛ والذي قاده خلف أوهام دمرت ما تبقى من حياته ليصل إلى أوروبا تائها يتخبط بحثا عن مسكة زوجته وابنه الذي لم يره، حين قابل نور الدين كان قد تحول لشخصية ثري سوداني صنعها بدرو ليسترد عن طريقها أموال أبيه التي التهمتها قوانين التأميم..
وجد عجيبة نفسه في أوروبا بعد خدعة من عشيقة بدرو لتتمكن من استغلاله لصالح منظمتها التي تدعي الدفاع عن حقوق الأقليات، بينما عاد بدرو لاستغلاله مرة أخرى بتزويجه من شمطاء من أهل البلد ليحصل على الجنسية ويغطي باسم الثري السوداني على عملياته المشبوهة في تهريب وغسيل الأموال؛ بعد أن نجا بأعجوبة من قضية جاسوسية قبيل يوليو 52 لصالح نفس المنظمة، كنت أشعر للحظات في ابتسامة بدرو أنه هو نفسه مندهش من تلك الصدف العجيبة التي رتبت له استغلال ذلك المسكين طوال تلك السنوات، وكأن روح الشر حين ترتع في مخيلته تستدعي عجيبة ابن سر الختم ليمثل أمامه في سخرية مدهشة تخبره أنه الضحية المثلى دائما..
سار بنا الكاتب داخل عقل عجيبة حين سمعناه كراوي لأحداث حياته، التي حين تشتد آلامها عليه يصمت ويترك الراوي العليم ليتابع، حكى لنا عن عجيبة الشاب الساذج البرئ الذي أتى للقاهرة وهو بعد حديث الزواج من مسكة ابنة عمه بحثا عن باب جديد للرزق، في مصر كان عجيبة الشاب المغلوب على أمره الذي تم تجاهل مؤهله وطغت بشرته السمراء على ما تعلم وتتركه واحدا من ضمن خدم نادي الجزيرة أيام الملكية، وحتى مع قيام حركة يوليو- التي رفعها الشعب إلى درجة ثورة تدافع عن حقوق البسطاء- لم يسلم واتهم أنه هو – ذلك البسيط الكادح- كان ضد البسطاء من زملاءه العاملين لأنه تسبب في مجازاة بعضهم متجاهلين أن هؤلاء البعض كانوا يسرقون إدارة النادي، فتم فصله من وظيفته بالنادي بدلا من أن يعوض عما ضاع منه هو وأهله وبني أرضه، الفارق الوحيد بين عجيبة قبل مقابلة نور الدين وبعدها أنه بدأ يتمرد لكن دون عقل، رأينا بعيني عجيبة خسارته لقريبه الوحيد في القاهرة وخسارته لكل من تبقى من أهله وزوجته بعد غرق بلدتهم من جديد؛ لتتحول أرضه إلى وقف غارق عليه لافتة تحمل اسم سر الختم كانت ميراث زوجته، فقد اسمه وهويته ولم يعد بمقدوره المطالبة بها بعد أن حوله بدرو لذلك الثري السوداني، لم يتبق له أي أمل إلا أمله في العثور على مسكة؛ الذي دفعه لمحاولة تكوين ثروة دون علم بدرو، لكنه كان واهما إذ أن كل تحركاته كانت بعلم من بدرو الذي ألقى في السجن لسبع سنوات كاملة ليخرج بعدها شبح يتمنى الموت..
ما نسمعه جميعا ونقرأه في كتب التاريخ هو ما أراد الساسة وقتها تدوينه فقط، أما تذكرة وحيدة للقاهرة ففي ظني قدمت محاولة هامة للكشف عن حقيقة ما حدث لبلاد النوبة- الضائعة في المكان؛ والباقية تجري في دماء أبناءها، قدمت لنا الرواية أيضا نماذج لشخوص؛ قصد الكاتب أن يكسر لنا بها التابوهات المقدمة من قبل، فقابل اليهودية الرحيمة البعيدة عن الفكر الصهيوني، وقابل الإقطاعيين النبلاء حقا فليس كلهم ذئاب مفترسون، وقابل أبناء الطبقة الكادحة الذين يحتقرون بعضهم وقد ينصرون القهر على من يشاركهم نفس المصير في مقابل فتات أكثر بقليل من غيرهم..
وفي نهاية رحلة عجيبة، لجأ الكاتب لسرد متناغم بين صوت عجيبة وصوت الراوي ليقص علينا اللحظات الأخيرة، مر أمام أعيننا شريط الحياة التي عاشها ذلك النوبي الطيب منذ أن كان يحيا سعيدا رغم ضيق الحال ورغم خسارته لأبيه في سن مبكر؛ ورغم انشغاله الدائم بسؤال: هل كان والده بطل فانتحر ليقتل معه مخدومه المهندس الانجليزي الذي كان السبب في تعلية الخزان الأولى وغرق النوبة؟ أم أنه مجرد حادث..
رأينا عجيبة الذي حمل اسم أباه طوال عمره دون أن يستخدم اسمه الأول لمرة واحدة إلا حين عاد للنوبة مع بدرو- في هيئة مستشمر في أوائل ثمانينات القرن الماضي- ويدلي به لموظف مكتب البريد ليجد دهب عجيبة سر الختم مجرد حساب بريدي لا يزال يحول عليه راتبه منذ سنوات كثر عددها عاشها دهب على طريقة "بكرة يحلها ربنا" فسرق عمره دون أن يجد لها حلا..
أدرك في تلك اللحظات الأخيرة مع ما عرفه عن حقيقة المشرعات الاستثمارية لبدرو وشركاه- أنها ستظل حلم ضائع لن يعيده أي استثمار لما كان عليه، ستظل النوبة التي كانت ولن تكون من جديد، لذلك قرر لأول مرة أن يقدم على فعله الإيجابي الوحيد والأخير ليوقف المتاجرة ببلاده أكثر من ذلك..
عن أماكن الحدث، نقلنا الكاتب في سلالة من النوبة إلى القاهرة إلى أوروبا وعاد بنا للنوبة من جديد بشواهد رسمت لنا ما تغير في نفس عجيبة ورأيناه منعكسا على رؤيته للمكان حوله، بدأ من النوبة الوطن الغالي وعاد للنوبة وطنه الخالي!..
في سرد الكاتب للحوادث الهامشية لحياة عجيبة سر الختم؛ استوعبنا تماما أن العهد الناصري لم يكن أبدا على تلك المثالية التي أدعوها بل على العكس، فكما أبرز يوسف شاهين حقيقة ذلك الوهم في فيلمه العصفور بمكالمة هاتفية بين ضابط أمن الدولة مع آخر؛ يخبره فيها أن من بالشارع ليسوا رجالهم الذين يبدو أنهم لقنوهم هتافا للتمسك بناصر، قام العشماوي بسرد مشهد ترحيل النوبيين على باخرة ألقوا فيها عنوة تاركين خلفهم كل ما لهم وسلبوا ماشيتهم التي أذاع رجال ناصر أنها تبرعات منهم وليست نهيبة..
هرم عجيبة فجأة حين أدرك أن هؤلاء اللصوص الذين عاشرهم عمر بأكمله لن يعيدوا إعمار بلاده مرة أخرى إلا ليتكسبوا من وراءها، لذا اتبع فلسفة شمشون "علي وعلى أعدائي يارب" ليمنع شرهم عن بلاد الذهب فتبقى مهجورة ولكن محافظة على رفات أجداده من يد العابثين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق