الاثنين، 19 ديسمبر 2016

قال الرواي: بائع الكتب القديمة




بقلم: وليد عبد المنعم


ترى ما الذي يدفع شابًا إلى أن يتحول من إنسانٍ مثقفٍ بسيط يقطن بـ"السيدة زينب" ويبيع الكتب في واحدٍ من أكشاكها القديمة، ثم يعمل في واحدة من الصيدليات، لينتهي به الحال إلى فعلٍ إجرامي قام من خلاله بقتل الأبرياء الذين تنتاثرت أشلاؤهم ليلة رأس السنة أمام كنيسة القديسين بالإسكندرية عام 2011؟ فلا يتبقى منه سوى صورة مشوهة على صفحات الجرائد مكتوب تحتها بالخط العريض (الإرهابي)!

هذا ما رصده لنا الكاتب الشاب (وليد حسن مدني) نفسيًا واجتماعيًا وسياسيًا من خلال عمله الروائي الجريء والضخم "بائع الكتب القديمة"، والذي صدر عن دار (فرست بوك)، حيث استطاع الكاتب من خلال حبكةٍ روائيةٍ "جنونية"، وعبر خيوط زمنية متشعبة أن يستعرض العديد من الشخصيات التي كان لها أثرٌ بالغٌ في تشكيل حياة "محمود" الإرهابي، والتي انعكست بدورها على حياته وما آلت إليه في النهاية.

ففي واقع الأمر، مر محمود الذي فجر نفسه أمام كنيسة القديسين بالكثير من التحولات الشخصية والاجتماعية، والتي أدت إلى اضطراب حياته واهتزازه نفسيًا أمام العفن والازدواجية والانحلال الذي ساد المجتمع في الآونة الأخيرة، حتى أنه هو نفسه كان قد أصبح جزءٌ لا يتجزأ من هذا الحال، وعلق بالقاع الذي انحدرنا إليه.

مساراتٍ فرعيةٍ عديدةٍ ومتشابكة، يرويها لنا الكاتب على ألسن شخوص العمل، وهم: د."منال" زميلة محمود في الصيدلية التي كان يعمل بها حتى وقتٍ قصير من التفجير الانتحاري، والتي كانت تجمعهما علاقةٌ غراميةٌ لم تكتمل، لذا كانت د. منال هي أول من سقط رهن الاعتقال لدى الجهات الأمنية وخضع لاستجوابها بعد الحادث لفترةٍ قصيرة قبل إخلاء سبيلها.

وهناك أيضًا الطبيبة النفسية "يارا فؤاد "، والإعلامية "مريم سعيد"، إضافةً إلى "سمر"
الفتاة التي كان يتواصل معها محمود بشكلٍ افتراضي عبر شبكة التواصل الاجتماعي، والعلاقة الغريبة التي جمعت بينهما، وإن كنت أتصور من وجهة نظري أن هذه الشخصية تحديدًا
أخذت مساحةً من الأحداث أكبر كثيرًا من المساحة التي تستحقها.

وكذلك هناك "نجلاء" أخت محمود وزوجها الرجل الطاعن في السن
‏"عبد القوي"، وأخيرًا "أبو حمزة المصري" الرأس المدبر لحادث التفجير والذي نجح في اصطياد محمود واستغلال حالة الضعف واليأس التي كان يمر بها ودفعه إلى تنفيذ العملية.

وعلى الرغم من أن أغلب شخوص العمل كان لها تأثيرٌ متباينٌ على حياة محمود بشكلٍ أو بآخر، إلا أن كلًا منهم كان له حياته وأزماته الاجتماعية الخاصة به على اختلاف بيئاتهم وخلفياتهم الثقافية، والتي مثلت خيوطًا فرعية بالغة الأهمية أعطت للرواية غزارتها الإنسانية والمجتمعية بكافة أشكالها.

فقد ترك وليد في هذا العمل القلم لأبطاله، ليخطوا به ما شاؤا عن حياتهم وأحلامهم وإحباطاتهم، ومنحهم حرية التعبير عن ذاتهم بأفكارهم ومعتقداتهم، فتناوبوا على سرد الرواية كلٌ بصفته وشخصه دون تدخلٍ منه، وفي ذات الوقت صنع لنفسه سردًا آخر موازي
داخل الرواية، من خلال سرد (المؤلف) الذي توحد مع عوالم أبطاله، بل ودخل معهم في صراعٍ جنوني لإنهاء روايته بعد أن كادت تصيبه بالجنون.

فقد أجاد وليد بشكلٍ مبهرٍ صنع الحبكة، واستطاع أن يدير شخوص روايته ببراعة، وعلى الرغم من أن الرواية يغلب عليها الطابع السردي إلا أن القاريء لا يكاد يمل فأسلوب السرد جاء شيقًا وممتعًا.

أيضًا لا أريد هنا أن أنسى الإشارة إلى أهمية انتقاء الأماكن التي دارت فيها الأحداث، والدقة المتناهية في وصف إحداثيتها الجغرافية، وتحديدًا منطقة ‏"السيدة زينب" والمناطق المحيطة بها، ولم لا؟ والكاتب ذاته من مواليد هذه المنطقة، مما كان له أكبر الأثر في وضع القاريء في قلب المكان "حرفيًا" خاصة لو كان مثلي ممن أتموا إحدى مراحلهم التعليمية في واحدة من المدارس التي كانت على مقربةٍ من ميدان السيدة، وبالتالي أعلم جغرافية المكان جيدًا بما له من ذكرياتٍ لاتنسى، وساهم كثيرًا في تخيلي لمجريات الأحداث.

"بائع الكتب القديمة" هو عملٌ أدبيٌ كبيرٌ ودسم، مجهدٌ في كتابته، وفي نسج تفاصيل أحداثه وبناء شخوصه، لذا أشفقت على الكاتب منه كثيرًا، إذ كيف استطاع أن يتعايش مع عوالمٍ كتلك؟ وأن يحتمل بداخله كل هذا الزخم من الصراعات والتقلبات النفسية التي عانى منها أبطال روايته؟

في الحقيقة هو شيءٌ في قمة الإجهاد والإرهاق على المستوى البدني والعقلي والنفسي، فبالتأكيد هذه روايةٌ لا يتصدى لها إلا كاتبٌ عليه بذل طاقةٍ خرافيةٍ للإبقاء فقط على جزءٍ يسيرٍ من عقله لألا يصاب بالجنون بعده.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق