بقلم: رحاب البارودي
في أول أيام شهر رمضان الماضي استيقظت متأخرة، وبالصدفة الشديدة لفت انتباهي لحن تتر مسلسل كنت أسمعه وأنا طفلة، ولكني فشلت في تذكر أي شيءٍ عن أحداثه، كان يعرض على قناة مصرية مغمورة، تملأ ساعات الهواء بمادة قد تكون منخفضة التكلفة، ولكن!
تابعت أحداث أول حلقة واستأنفت نشاطي اليومي، وبحلول المساء اكتشفت بأننى متشوقةٌ لأن أكمل باقي أحداث المسلسل، وهذا مالم تفعله معي الدراما الرمضانية الحديثة المكتظة على شاشات الفضائيات، وبالفعل انتظرت ثاني حلقات المسلسل القديم بشغفٍ ثم الثالثة فالرابعة.
ثم فكرت في أن هذا المسلسل لابد وأنه يعرض كاملًا على اليوتيوب فاستكملت مشاهدة باقى حلقاته دفعةً واحدة، وكانت أغنية تتر المسلسل تتسائل عن ماذا إذا الأستاذ صيام نوى صيام شهر الصيام؟ ثم يعود فيقرر مش بردو تبقى معجزة؟ لنكتشف من خلال المسلسل أن "صيام" هو مدير بإحدى الشركات واتخذ قرارًا بأن يصوم لأول مرة فى حياته، وذلك بعد أن وعد صديقه أن يصوم شكرًا لله لترقيته في عمله على غير ما هو متوقع منه، ثم يتخذ "صيام" قرارًا آخر لا يقل أهمية عن قرار الصيام، وهو أنه سيمارس روح الصيام فيصوم عن كل صفاته السيئة ويجاهد نفسه في التغلب على ذنوبه وأخطائه المتكررة.
وهكذا نجد صيام يجاهد نفسه يوميا، فيقطع علاقته بزميلته التي كان يتسلى معها تحت مسمى الحب وهو رجلٌ متزوجٌ من زوجةٍ محبةٍ له، حسنة الأخلاق، رزينة الأفعال، ثم يمتنع عن الإيقاع بزملائه في العمل، وهكذا في كل يوم يناقش المسلسل قضية اجتماعية جديدة ويحللها ويجد الحلول لها في انسيابية هادئة، فلا نبرة عالية أو صراخ أو تنظير، بل على العكس، حيث يظهر المسلسل طبيعة الحياة الهادئة في البيوت المصرية متوسطة الحال وقتها.
ومن أجمل ما لاحظت في المسلسل أن ديكوراته كانت مماثلة لما كان موجود في بيوتنا جميعًا، فقد لمحت ستارة حجرة الصالون فى بيت أبى معلقة على حائط غرفة معيشة صيام، كما لاحظت أن طقم الأنتريه في بيت خالي هو نفسه طقم الأنتريه الموجود في بيت صيام، فضلًا عن ظهور كل السلوكيات الاجتماعية التي كانت ومازالت موجودة في كل البيوت المصرية حتى الآن.
إذا نحن هنا أمام دراما راقية، تشبه الناس، وتدخل بيوت الناس لتناقش قضايا الناس، وتقول لهم انا منكم ولكم، فلا يوجد بها (أسطورة الشاب البلطجي)، ولا المرضى النفسيين، ولا القتلة والعاهرات، ولا قاع المجتمع المبتلى بالآفات النفسية والعاهات الإجتماعية.
نحن هنا أمام دراما حقيقية تفهم دورها في مخاطبة الجمهور من الطبقة المتوسطة والعليا وتشد جمهور الطبقة الدنيا لسلوكيات أفضل وتعلمهم من خلال نموذج إنسان استطاع أن يحقق النجاح وكيفية مجاهدة النفس، وأن الإنسان قادرٌ على تغيير نفسه للأفضل، وأنه أقوى من كل العوامل الفاسدة المحيطة، وأن الإرداة الانسانية هي أقوى سلاح يواجه الفساد على وجه الأرض.
المسلسل قدم مباراة في الأداء التمثيلي بين الكبار محمود المليجي، ناهد سمير، حسن مصطفى، عبد الله فرغلى وبين جيل الشباب وقتها يحيى الفخراني، آثار الحكيم، ليلى علوى، ممدوح عبد العليم، فردوس عبد الحميد، نسرين، فاروق الفيشاوى، هالة فاخر، صلاح السعدني.
تم تنفيذ المسلسل عام 1980 وهو من تأليف صالح مرسي وإخراج محمد فاضل، أما التتر الذي علق بذاكرتي كل هذه السنوات، والذي أقدم امتنناني الحقيقي له لأنه شدنى لمتابعة هذا العمل الجميل، فهو من كلمات سيد حجاب، وألحان المبدع عمار الشريعي، صيام "صيام" عمل ممتع، إذا لم تكن قد شاهدته من قبل فلا تفوته أبدًا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق