الخميس، 24 نوفمبر 2016

قعدة فن: العزيز الساحر

بقلم: أميرة عزالدين

عرفته في مرحلة مبكرة من عمري، مبكرة جدا في الحقيقة، فلم يكن عمري يتجاوز الرابعة حين كنت أجلس أمام التليفزيون- شبه ملتصقة به- لأشاهد حركاته المضحكة ولأغني مع غناءه الصاخب للكيمياء التي لم أكن أعرف ما هيتها تحديدا، كنت أبكي حين يصرخ من جروح أنامله بعد أن أخفت عني أمي مشاهد انتزاع أظافره على يد رجال "البهظ"، وحين كان يعطي لأخيه الحقنة التي كانت تمرضه رغما عنه، وفهمت وقتها أن هذا هو تأثير المخدر؛ يمرضك إذا تعاطيته ويقتلك إذا ما حاولت التوقف عنه، تعلمت مبكرا جدا أنه لا يصح أن يكون المرء عبدا لكيفه!..

بعد عدة نقاشات جدلية مع والديّ فهمت أن كل ذلك تمثيل "كدة وكدة"، ورغم ذلك كنت أندهش من أن جمال المزاجنجي هو نفسه منصور الذي قتله أبوه لأنه خائن، وأن هذا الــ "منصور" له شبيه يدعى عزالدين- على اسم جدي- والذي تحول إلى نسخة من منصور أثناء الأحداث، كنت فخورة جدا أن عزالدين رجل طيب وشجاع؛ وكنت حزينة لأن منصور ارتكب "غلط" حين حكى عن أسرار بلدنا للأغراب، وفهمت حينها لماذ كان أبي يقول دائما أنه "غلط" جدا أن أحكي عن أسرار بيتنا!..

أما عبد القوي شديد- الذي كان يبكي ويغني في الوقت نفسه طالبا "الترولوب" الخاص به- كنت في كل مرة أشاهده يغني بهذا الشكل كنت أضحك لأعود بعدها وألوم نفسي لأنني أضحك على رجل مريض في عقله ولا يصح أن أسخر من مريض كما علمتني أمي، لكنني تعلمت حسبة الـ 24 قيراط التي يسخر منها البعض الآن؛ في توصيف العمل بأنه أخلاقي مباشر جدا، وتلك الحسبة أورثتني يقينا بحمد الله باستمرار..

كبرت قليلا لأعرف أسماء الممثلين وأنتظر أعمالهم الجديدة في شغف، ولظروف نشأتي في سنوات عمري الأولى بعيدا عن مصر أصبحت أفضل مشاهدتهم في البيت عن مشاهدتهم على شاشة السينما التي ارتدها لاحقا، في البيت كان رأفت الهجان يجيئنا ونحن ملتفين حول جدي وجدتي نأكل القطايف والكنافة في رمضان الثمانينات ونلهو بالفانوس الزجاجي "أبو بطارية"، كان يشع ذكاء ووسامة، يشبه والدي حين يمازحنا وتضحك تقاسيم وجهه؛ وظل يشبهه حتى مع تقدم العمر بهما، أذكر أننا استمعنا لآخر حلقات الجزء الثاني على موجة الـ FM على الراديو التي كانت تلتقط بث التليفزيون؛ لانقطاع التيار الكهربائي في الجمهورية كلها تقريبا، تلك الحلقة التي كان عائدا فيها لزيارة مصر بعد سنوات وأعادها التليفزيون في اليوم التالي، وبعيدا عن الحكي عن ملفات المخابرات الشيقة جدا- والمليئة بمبادئ أشك في توافرها حاليا- فلقد عرفت أنه ليس ضروريا أن نكون ملائكة لنكون مخلصين، على العكس ربما الخطاء الشقي المتهور أكثر قربا للصلاح لأنه أكثر من يقدر الصواب لأنه اختاره بملء إرادته لا لأنه فرض عليه لأي اعتبار، ولأنني شخصيا أرفض الوصاية بشتى صورها والمفروضات تحت أي مسمى عشقت تلك الفلسفة وظلت موسيقى الشريعي لهذا العمل رمزا لهذا المعنى إلى جانب كل ما تحمله من مشاعر تعبر عن أحداث العمل!..

كبرت أكثر لأستوعب معنى ما قدمه من فانتازيا في مرحلة لاحقة كانت وقتها تضحكني فقط حين أراه رجلا تزوج "وقعد في البيت" لخدمة زوجاته الأربعة، أو آخر تحولت زوجته فوزية إلى "فوزي أبو رجلين حلوة" في إشارة للمجتمع الذكوري الذي عانت منه، أو ذلك المقهور المطارد حتى وهو ميت هو وزوجته الشابة من كل مؤسسات الدولة تقريبا بلا سبب مفهوم أو منطقي، لكنها كلها ترسخت في ذهني لأفهم معانيها كلمات كبرت أكثر!..

أحببت الشيخ حسني كثيرا؛ فهو أيضا نموذج للإنسان الذي يشاكسه شيطانه طوال الوقت دون أن يستطيع مس بؤرة الخير في قلبه، يبدو لاهٍ عن كل شيء ومستغرق في ملذاته؛ وهو في الحقيقة يمارس حكمة لقنته إياها الأيام بمنتهى القسوة، أشفقت عليه –كالجميع- حين اكتشف وفاة عم مجاهد بالطريقة الصعبة، وأشفقت عليه أكثر حين أحزنه يوسف وهو يضعه أمام مرآة نفسه التي يرى فيها بوضوح مؤلم رغم عجزه!..

لم أستطع مشاهدة عبد الملك زرزور سوى مرة واحدة، لا أدرى هل بسبب كمية العنف الشديدة المنقولة من تلك الأوساط الفقيرة والمشبعة بالقسوة والجهل، أم لأنني أحبه فلا أتصوره بكل هذا الشر!..

وعلى العكس أحببت أبو هيبة رغم كونه تاجر سلاح، وأيضا لا أدرى هل لأنه في هذا العمر مازال يشبه أبي رحمه الله أم لأنه- كعادة الساحر- أكد على أن ليس بيننا شيطان أو مسيح؛ وأن نفوسنا ترعى دائما في المنطقة الرمادية!..

"يظهر أن العظماء هيلين يئسوا من العالم بتاعنا فبدأوا ينسحبوا منه واحد ورا التاني"

وهو كان عظيما كذلك، تتبعوا اختياراته، آراءه، كلماته، مواقفه لتعلموا أي رجل عظيم كان؛ رحل العزيز آخذا معه قصاصة أخرى من قلوبنا كمن سبقوه من العظماء!..

                        رحم الله العزيز الساحر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق