بقلم: أمير مصطفى
ولد عاطف الطيب في سوهاج في 26 ديسمبر عام 1947، وتخرج من المعهد العالي للسينما - قسم الإخراج عام 1970، التحق بعد تخرجه بالجيش لأداء الخدمة العسكرية، وقضى به الفترة العصيبة (1971 ـ 1975)، والتي شهدت حرب أكتوبر 1973لنرى تأثير (جيل أكتوبر) الذي كان من أبرز أبناءه في تأثير مسيرته الفنية بأكملها.
بدأ في إخراج أول أفلامه الروائية (الغيرة القاتلة) عام 1982، والذي لم يعرض للجمهور سوى بعد عرض فيلمه الثانى (سواق الأتوبيس) إنتاج 1983، والذي يعد بالفعل الفيلم الأول الذي يتعرف من خلاله الجمهور على اسم (عاطف الطيب)، والذي ارتبط بعد ذلك ارتباطاً مباشراً ووثيقاً بقضايا المواطن المصري البسيط وحقوقه التي كفلتها الحياة له، ولذلك فقد كانت ولا تزال أغلب أعماله مثيرة للجدل النقدي وغير النقدي لما تتطرق إليه من قضايا تتعلق بالحريات العامة والخاصة على حد سواء، وقضايا الحرب ضد الاستعمار بجميع أشكاله، وأيضاً القضايا التي تخص العلاقة بين المواطن والسلطة ممثلة في أي من أجهزتها ومؤسساتها.
ولم يتمكن عاطف الطيب من إتمام فيلمه الأخير (جبر الخواطر) بسبب وفاته في 23 يونيو 1995 بعد إجرائه عملية في القلب، وقام المونتير أحمد متولي بعملية مونتاج الفيلم منفرداً، وقد قدم خلال خمسة عشر عاماً هي مشوار حياته الفني واحداً وعشرين فيلماً، سعى فيها إلى تقديم صورة واقعية عن المواطن المصري والمجتمع المصري.
سواق الأتوبيس (إنتاج 1983) يحتل المركز رقم 8 ضمن قائمة المائة، وهو قصة وسيناريووحوار بشير الديك ومحمد خان (في مفارقة عجيبة حيث أصبح خان بعدها واحداً من أهم مخرجي السينما المصرية)، ومدير التصوير سعيد الشيمي، ومونتاج نادية شكرى، بطولة نور الشريف، ميرفت أمين، عماد حمدي.
والمفارقة هي أن نور الشريف كوّن مع عاطف الطيب حالة من التوحد والتناغم الفني الإبداعي من نوع خاص، كان قوامها الأساسي ليس مجرد التفاهم والتناغم الثقافي، ولكن الهم الواحد، فقد جمعهما سوياً نفس الهم الإنساني الذي كان أقوي دافع ومحفز إبداعي لإنتاج أعمال فنية عبقرية يأتى على رأسها هذا الفيلم في ثانى تجربة تجمعها معاً بعد فيلم محدود الإمكانات جداً كان اسمه (الغيرة القاتلة) أنتج عام 1982، وهو أول أفلام عاطف الطيب على الإطلاق وبطولة نور الشريف، ويحيى الفخراني، في محاولة شديدة السذاجة تقترب من البله لإعادة إنتاج رائعة شكسبير عطيل!
ولكن لحسن حظ الجميع أن هذا الفيلم لم يُعرض تجارياً إلا بعد عرض الفيلم الثاني لعاطف الطيب وهو (سواق الأتوبيس)، مما جعل الجمهور والنقاد يغضون الطرف عن هذا الفيلم الكارثي، فيستحوذ على عقولهم ووجدانهم فيلم (سواق الأتوبيس) .
فبعد عهد السبيعنيات المخزي للسينما المصرية وأفلام التعرى فى لبنان جاء عهد أفلام المقاولات ونظرية (الجمهور عايز كدة)، وكانت السينما المصرية في بداية الثمانينات في حالة من السوء تقارب بل وتتجاوز ما هي عليه الآن! وفي وسط هذا المستنقع الكئيب يطفو على السطح فجأة فيلم مصري يتألق في العديد من المهرجانات الدولية، ويمثل مصر في أكثر من محفل سنيمائي دولي، ويظل يطوف العالم خلال عامٍ كاملٍ قبل عرضه التجاري، حتى فاز نور الشريف بطل الفيلم من خلاله على جائزة أفضل ممثل في مهرجان نيودلهي وبهذا يصبح أول ممثل مصري يحصل على جائزة دولية في مهرجان حقيقي.
وحينما طُرح الفيلم جماهيرياً حقق أيضاً نجاحاً تجارياً ساحقاً مما يدعونا لتأمل تلك المعجزة، لا سيما وأنه طوال عمر السينما المصرية وحتى الآن لدينا مفهموم سخيف عن الجمهور والمهرجانات، وأن هناك دوماً صراع بين المهرجانات وبين الجمهور، وهو المفهوم الذي دائماً ما يتبناه الفنان المصري منذ بدء الخليقة السنيمائية، وكأنه صراعٌ بين الثقافة والغوغائية دون أن يبذل أدنى جهد ليسأل نفسه ببساطة لماذا تلك الأزمة هنا في مصر فقط؟ ولماذا دئماً ما تكون جوائز الأوسكار في معظمها لأفلام تحقق أعلى الإيرادات في شباك التذاكر؟ وهل الفنان الأمريكي أكثر عبقريةً وتألقاً من الفنان المصري بحيث يستطيع حل تلك المعضلة؟
جاء عاطف الطيب بهذا الفيلم ليقدم الجواب الناجع، ويحل تلك الأزمة عبر إخراج فيلم يحصد العديد من الجوائز ويحقق الشعبية الجماهيرية في ذات الوقت، وكان جوابه يتمثل في إتقان جوانب (الصناعة) من حبكة درامية منطقية، وأداء متألق للممثلين، وبراعة في التصوير والديكور ... إلخ، وهذا ما يهم النقاد ومحكمين المهرجانات، وتقديم فيلم من خلال هذا الإتقان يصوغ قصة شديدة الإنسانية تمس قلب كل مشاهد في أي زمانٍ ومكان.
إن الحبكة الأساسية للفيلم هي إنسانية بحتة سبق تناولها في العديد من الملاحم العالمية وهي باختصار:
إصابة عائل أسرة بسيطة بانكسار ما، مما يهدد بنهايته ونهاية تلك الأسرة كلها من بعده، ورد فعل الأبناء تجاه هذا الموقف بالتمزق والاستسلام والأنانية الذي يساعد على إنهيار هذه الأسرة، لولا صمود فرد واحد ما زال يحمل قيم الأسرة القديمة ويجاهد لمقاومة هذا الأنهيار.
هذا الخط الدرامي ينطبق على تركيبة أي أسرة في أي مجتمع، قصة قابلة للحدوث في أي زمان وأي مكان، العبقرية المطلقة لهذا الفيلم تتجلى في انحيازه لقالب الواقعية الاجتماعية في تناول تلك القصة الإنسانية، فكل أماكن الأحداث تقليدية للغاية، نعرفها ونحيا فيها ونحفظ تضاريسها، وكل أبطال العمل أشخاص نلتقي بهم في حياتنا اليومية، يتحدثون لغة نفهمها، ويناقشون مشكلات تمس حيواتنا جميعاً، نستشعر ذات العبء الملقى على كاهل (حسن سلطان) وكأنه على كواهلنا جميعاً.
إن الفيلم يتحدث عن واقع نحياه يومياً ولا نلتفت له، لانغلاقنا على ذواتنا، الفيلم يرصد ما خفي عنا في هذا الواقع بوعي ومرارة وصدق، بعيداً عن أي خطابة أو افتعال أو مبالغة، فنجد (حسن) شاب مصري عادي جداً، متوسط التعليم، حارب في أكتوبر كآلافٍ غيره، وعاد لكسب رزقه بالوسيلة الوحيدة المتاحة لأمثاله، وهي أن يكون سائقاً لأتوبيس نقل عام، ومتزوج من فتاة تحبه ويحبها ولديهما طفل وحيد (هذه الفتاة كان قد انتزعها من زيجة أفضل لعريسٍ عائدٍ من الخارج محملاً بالثروة).
وتبدو كل مشكلة (حسن) في أنه يعمل عمل إضافي لتحسين الدخل كسائق لتاكسي اشتراه بنقود زوجته، وزميله الكمسري الشاب (الضيف) الذي يلح عليه في طلب يد أخته الصغرى التي مازالت (تلميذة) والتي فى ذات الوقت يرغب في شرائها عجوزٌ ثري كان في السابق تاجر مخدرات، ومن هذه النافذة الضيقة يخرج بنا (حسن) إلى المآساة الأرحب إنسانياً حينما يكتشف بالصدفة أن أباه صاحب ورشة الأخشاب العجوز المريض مهدد بفقدان الورشة التي هي حصاد عمره بسبب ضرائب متراكمة قيمتها 20 ألف جنيه، بعد أن ترك إدراة الورشة لزوج إحدى بناته الأربع، والذي بدد عائدها ولم يوف الضرائب المستحقة في أوقاتها، وهذه الورشة في هذا الزمن هي رمز للصناعة المصرية الأصيلة التي انهارت أمام كل ما هو أجنبي مستورد جاهز رديء الصنع.
هنا يصبح الأب (المعلم سلطان) رمزاً لمجتمع كامل وليس مجرد صاحب ورشة نجارة، ولأن حسن هو ضمير هذة الأسرة، ورمز للشباب المصري الذي انصهر في حرب أكتوبر ودفع كل حياته، ليخرج بعدها فيحصل على لا شيء، فهو يدافع عن كل ما حارب من أجله، وتصبح الورشة هي الوطن حقيقي الذي يدافع عن بقاءه أمام الغزو الاستهلاكي، فيتألق بشير الديك عبر هذا السيناريو بعيداً عن الخطابة، وبسلاسة تامة ليوضح مآساة هذا الجيل بمنتهى الذكاء.
فحسن يجاهد ضد بيع الورشة ويتفاوض مع الضرائب على دفع نصف المبلغ مؤقتاً لمنع بيع الورشة في المزاد، وفي ذات الوقت الذي تدور فيه الملايين في سوق صفقات وهمية مستفزة، يصبح تدبير عشرة آلاف جنيهاً لإنقاذ ورشةٍ صناعية ضرباً من ضروب المستحيل! فيخرج حسن فى رحلة طويلة يطوف بها على بيوت شقيقاته لمساعدته في تدبير المبلغ.
ويوضح لنا السيناريو بذكاءٍ مستتر أن الشقيقات تزوجن بصعاليك بدأوا حياتهم بنقود أبيها، إلا أنهم كانوا أكثر ذكاءً وفهماً لقواعد اللعبة الجديدة (القذرة)، فأحدهم تاجر انفتاح (سجائر أجنبية وسفن آب) في بورسعيد، لا يقدم لحسن سوى (غدوة سمك)، ومنها يخرج حسن إلى دمياط للأخت الثانية (الحاجة) المتزوجة من (الحاج تابعي) الذي يستمع لتفاصيل المحنة من حسن ولا يهتم سوى بالإنقضاض على البيت والورشة لشراءهما بثمنٍ بخس قبل أن يلحق بموعد الصلاة!
ويستمر حسن في المقاومة، ويُصدم حتى أمام الحلول البديلة التي يطرحها باقي أفراد الأسرة المستسلمون للهزيمة، مثل أن تتزوج الأخت الصغرى من تاجر المخدرات الذي سينقذهم بأمواله من الإفلاس والتشريد، وكما تحولت الورشة إلى رمز للوطن تتحول الأخت الصغرى إلى رمز للمستقبل المهدد بالضياع فيصرخ حسن فى وجه الجميع:
" الورشة مش هتتباع، وكوثر مش هتتجوز أبو عميرة "
وهي أهم صيحات المقاومة على الإطلاق، بدون أي مبالغة ولا خطابة، ويخرج حسن ليستأنف رحلة البحث عن منجي، لكنه يواجَه بإخفاقٍ آخر على مستوى الحب في زمن توحُش المادة، حيث يفجع حسن حين يجد زوجته تضع بيع التاكسي الذي اشتراه بنقودها مقابل الطلاق، فالحب ذاته لا يسوى عند الزوجة / الحبيبة خمسة آلاف جنيه، الزوجة التي لا زالت تغريها الأم برفاهية الحياة التي تنازلت عنها من أجل (حسن)، وتأتي المبادرة والتضحية الوحيدة من الأخت التي تعمل بالخليج، فتقدم مدخراتها هي وزوجها التي كانوا يريدون شراء شقة بها ثمناً لغربتهما.
فزوجها الشاب الذي كان زميلاً لحسن نفسه في الحرب، واحد من (شلة القراوانة) والجيل الذي عاد ليتغرب عن وطنه أو يعمل جارسوناً داخله، ويقف عاجزاً يراقب بمرارة ثمرة ما بذله من دم، وكأن هذا الجيل مازال مستمراً في دفع الثمن وحده، دون المطالبة بشيءٍ، فتكون المساعدة الوحيدة الممنوحة من قِبلِه.
وفي مشهد من أروع مشاهد السينما يلتقي حسن بأصدقاء الحرب تحت سفح الهرم في ضوء الفجر على خلفية لحن "نشيد بلادي بلادي" من وراء غيمة تثير الشجن لدرجة البكاء، ولكنها تحث على الاستيقاظ من الغفلة في ذات الوقت!
تنتهي رحلة (حسن) بموت الأب وضياع الورشة الذي كان حتمياً أمام كل هذه الظروف، وتنتهى الرحلة البائسة بعدما تتكشف لـ (حسن) الفجيعة الكبرى، وهي أن كل شئ تغير، وأن الشقيقات بعن أبيهن ثمناً لعلاقاتٍ وحشيةٍ جديدة، ولأن حسن نفسه كان مسؤولاً حين سكت وهو يرى نشالاً يسرق راكباً في الأتوبيس في بداية أحداث الفيلم، فقد أصبح الأمر شخصياً، فنجده يطارد النشال الآخر الذي فعل نفس الشيء في آخر الفيلم، وينهال عليه ضرباً وهو يصرخ في لحظة لا وعي، وتحول تجاه كل سارقي هذا الوطن صارخاً: "يا ولاد الكلب"
ولد عاطف الطيب في سوهاج في 26 ديسمبر عام 1947، وتخرج من المعهد العالي للسينما - قسم الإخراج عام 1970، التحق بعد تخرجه بالجيش لأداء الخدمة العسكرية، وقضى به الفترة العصيبة (1971 ـ 1975)، والتي شهدت حرب أكتوبر 1973لنرى تأثير (جيل أكتوبر) الذي كان من أبرز أبناءه في تأثير مسيرته الفنية بأكملها.
بدأ في إخراج أول أفلامه الروائية (الغيرة القاتلة) عام 1982، والذي لم يعرض للجمهور سوى بعد عرض فيلمه الثانى (سواق الأتوبيس) إنتاج 1983، والذي يعد بالفعل الفيلم الأول الذي يتعرف من خلاله الجمهور على اسم (عاطف الطيب)، والذي ارتبط بعد ذلك ارتباطاً مباشراً ووثيقاً بقضايا المواطن المصري البسيط وحقوقه التي كفلتها الحياة له، ولذلك فقد كانت ولا تزال أغلب أعماله مثيرة للجدل النقدي وغير النقدي لما تتطرق إليه من قضايا تتعلق بالحريات العامة والخاصة على حد سواء، وقضايا الحرب ضد الاستعمار بجميع أشكاله، وأيضاً القضايا التي تخص العلاقة بين المواطن والسلطة ممثلة في أي من أجهزتها ومؤسساتها.
ولم يتمكن عاطف الطيب من إتمام فيلمه الأخير (جبر الخواطر) بسبب وفاته في 23 يونيو 1995 بعد إجرائه عملية في القلب، وقام المونتير أحمد متولي بعملية مونتاج الفيلم منفرداً، وقد قدم خلال خمسة عشر عاماً هي مشوار حياته الفني واحداً وعشرين فيلماً، سعى فيها إلى تقديم صورة واقعية عن المواطن المصري والمجتمع المصري.
سواق الأتوبيس (إنتاج 1983) يحتل المركز رقم 8 ضمن قائمة المائة، وهو قصة وسيناريووحوار بشير الديك ومحمد خان (في مفارقة عجيبة حيث أصبح خان بعدها واحداً من أهم مخرجي السينما المصرية)، ومدير التصوير سعيد الشيمي، ومونتاج نادية شكرى، بطولة نور الشريف، ميرفت أمين، عماد حمدي.
والمفارقة هي أن نور الشريف كوّن مع عاطف الطيب حالة من التوحد والتناغم الفني الإبداعي من نوع خاص، كان قوامها الأساسي ليس مجرد التفاهم والتناغم الثقافي، ولكن الهم الواحد، فقد جمعهما سوياً نفس الهم الإنساني الذي كان أقوي دافع ومحفز إبداعي لإنتاج أعمال فنية عبقرية يأتى على رأسها هذا الفيلم في ثانى تجربة تجمعها معاً بعد فيلم محدود الإمكانات جداً كان اسمه (الغيرة القاتلة) أنتج عام 1982، وهو أول أفلام عاطف الطيب على الإطلاق وبطولة نور الشريف، ويحيى الفخراني، في محاولة شديدة السذاجة تقترب من البله لإعادة إنتاج رائعة شكسبير عطيل!
ولكن لحسن حظ الجميع أن هذا الفيلم لم يُعرض تجارياً إلا بعد عرض الفيلم الثاني لعاطف الطيب وهو (سواق الأتوبيس)، مما جعل الجمهور والنقاد يغضون الطرف عن هذا الفيلم الكارثي، فيستحوذ على عقولهم ووجدانهم فيلم (سواق الأتوبيس) .
فبعد عهد السبيعنيات المخزي للسينما المصرية وأفلام التعرى فى لبنان جاء عهد أفلام المقاولات ونظرية (الجمهور عايز كدة)، وكانت السينما المصرية في بداية الثمانينات في حالة من السوء تقارب بل وتتجاوز ما هي عليه الآن! وفي وسط هذا المستنقع الكئيب يطفو على السطح فجأة فيلم مصري يتألق في العديد من المهرجانات الدولية، ويمثل مصر في أكثر من محفل سنيمائي دولي، ويظل يطوف العالم خلال عامٍ كاملٍ قبل عرضه التجاري، حتى فاز نور الشريف بطل الفيلم من خلاله على جائزة أفضل ممثل في مهرجان نيودلهي وبهذا يصبح أول ممثل مصري يحصل على جائزة دولية في مهرجان حقيقي.
وحينما طُرح الفيلم جماهيرياً حقق أيضاً نجاحاً تجارياً ساحقاً مما يدعونا لتأمل تلك المعجزة، لا سيما وأنه طوال عمر السينما المصرية وحتى الآن لدينا مفهموم سخيف عن الجمهور والمهرجانات، وأن هناك دوماً صراع بين المهرجانات وبين الجمهور، وهو المفهوم الذي دائماً ما يتبناه الفنان المصري منذ بدء الخليقة السنيمائية، وكأنه صراعٌ بين الثقافة والغوغائية دون أن يبذل أدنى جهد ليسأل نفسه ببساطة لماذا تلك الأزمة هنا في مصر فقط؟ ولماذا دئماً ما تكون جوائز الأوسكار في معظمها لأفلام تحقق أعلى الإيرادات في شباك التذاكر؟ وهل الفنان الأمريكي أكثر عبقريةً وتألقاً من الفنان المصري بحيث يستطيع حل تلك المعضلة؟
جاء عاطف الطيب بهذا الفيلم ليقدم الجواب الناجع، ويحل تلك الأزمة عبر إخراج فيلم يحصد العديد من الجوائز ويحقق الشعبية الجماهيرية في ذات الوقت، وكان جوابه يتمثل في إتقان جوانب (الصناعة) من حبكة درامية منطقية، وأداء متألق للممثلين، وبراعة في التصوير والديكور ... إلخ، وهذا ما يهم النقاد ومحكمين المهرجانات، وتقديم فيلم من خلال هذا الإتقان يصوغ قصة شديدة الإنسانية تمس قلب كل مشاهد في أي زمانٍ ومكان.
إن الحبكة الأساسية للفيلم هي إنسانية بحتة سبق تناولها في العديد من الملاحم العالمية وهي باختصار:
إصابة عائل أسرة بسيطة بانكسار ما، مما يهدد بنهايته ونهاية تلك الأسرة كلها من بعده، ورد فعل الأبناء تجاه هذا الموقف بالتمزق والاستسلام والأنانية الذي يساعد على إنهيار هذه الأسرة، لولا صمود فرد واحد ما زال يحمل قيم الأسرة القديمة ويجاهد لمقاومة هذا الأنهيار.
هذا الخط الدرامي ينطبق على تركيبة أي أسرة في أي مجتمع، قصة قابلة للحدوث في أي زمان وأي مكان، العبقرية المطلقة لهذا الفيلم تتجلى في انحيازه لقالب الواقعية الاجتماعية في تناول تلك القصة الإنسانية، فكل أماكن الأحداث تقليدية للغاية، نعرفها ونحيا فيها ونحفظ تضاريسها، وكل أبطال العمل أشخاص نلتقي بهم في حياتنا اليومية، يتحدثون لغة نفهمها، ويناقشون مشكلات تمس حيواتنا جميعاً، نستشعر ذات العبء الملقى على كاهل (حسن سلطان) وكأنه على كواهلنا جميعاً.
إن الفيلم يتحدث عن واقع نحياه يومياً ولا نلتفت له، لانغلاقنا على ذواتنا، الفيلم يرصد ما خفي عنا في هذا الواقع بوعي ومرارة وصدق، بعيداً عن أي خطابة أو افتعال أو مبالغة، فنجد (حسن) شاب مصري عادي جداً، متوسط التعليم، حارب في أكتوبر كآلافٍ غيره، وعاد لكسب رزقه بالوسيلة الوحيدة المتاحة لأمثاله، وهي أن يكون سائقاً لأتوبيس نقل عام، ومتزوج من فتاة تحبه ويحبها ولديهما طفل وحيد (هذه الفتاة كان قد انتزعها من زيجة أفضل لعريسٍ عائدٍ من الخارج محملاً بالثروة).
وتبدو كل مشكلة (حسن) في أنه يعمل عمل إضافي لتحسين الدخل كسائق لتاكسي اشتراه بنقود زوجته، وزميله الكمسري الشاب (الضيف) الذي يلح عليه في طلب يد أخته الصغرى التي مازالت (تلميذة) والتي فى ذات الوقت يرغب في شرائها عجوزٌ ثري كان في السابق تاجر مخدرات، ومن هذه النافذة الضيقة يخرج بنا (حسن) إلى المآساة الأرحب إنسانياً حينما يكتشف بالصدفة أن أباه صاحب ورشة الأخشاب العجوز المريض مهدد بفقدان الورشة التي هي حصاد عمره بسبب ضرائب متراكمة قيمتها 20 ألف جنيه، بعد أن ترك إدراة الورشة لزوج إحدى بناته الأربع، والذي بدد عائدها ولم يوف الضرائب المستحقة في أوقاتها، وهذه الورشة في هذا الزمن هي رمز للصناعة المصرية الأصيلة التي انهارت أمام كل ما هو أجنبي مستورد جاهز رديء الصنع.
هنا يصبح الأب (المعلم سلطان) رمزاً لمجتمع كامل وليس مجرد صاحب ورشة نجارة، ولأن حسن هو ضمير هذة الأسرة، ورمز للشباب المصري الذي انصهر في حرب أكتوبر ودفع كل حياته، ليخرج بعدها فيحصل على لا شيء، فهو يدافع عن كل ما حارب من أجله، وتصبح الورشة هي الوطن حقيقي الذي يدافع عن بقاءه أمام الغزو الاستهلاكي، فيتألق بشير الديك عبر هذا السيناريو بعيداً عن الخطابة، وبسلاسة تامة ليوضح مآساة هذا الجيل بمنتهى الذكاء.
فحسن يجاهد ضد بيع الورشة ويتفاوض مع الضرائب على دفع نصف المبلغ مؤقتاً لمنع بيع الورشة في المزاد، وفي ذات الوقت الذي تدور فيه الملايين في سوق صفقات وهمية مستفزة، يصبح تدبير عشرة آلاف جنيهاً لإنقاذ ورشةٍ صناعية ضرباً من ضروب المستحيل! فيخرج حسن فى رحلة طويلة يطوف بها على بيوت شقيقاته لمساعدته في تدبير المبلغ.
ويوضح لنا السيناريو بذكاءٍ مستتر أن الشقيقات تزوجن بصعاليك بدأوا حياتهم بنقود أبيها، إلا أنهم كانوا أكثر ذكاءً وفهماً لقواعد اللعبة الجديدة (القذرة)، فأحدهم تاجر انفتاح (سجائر أجنبية وسفن آب) في بورسعيد، لا يقدم لحسن سوى (غدوة سمك)، ومنها يخرج حسن إلى دمياط للأخت الثانية (الحاجة) المتزوجة من (الحاج تابعي) الذي يستمع لتفاصيل المحنة من حسن ولا يهتم سوى بالإنقضاض على البيت والورشة لشراءهما بثمنٍ بخس قبل أن يلحق بموعد الصلاة!
ويستمر حسن في المقاومة، ويُصدم حتى أمام الحلول البديلة التي يطرحها باقي أفراد الأسرة المستسلمون للهزيمة، مثل أن تتزوج الأخت الصغرى من تاجر المخدرات الذي سينقذهم بأمواله من الإفلاس والتشريد، وكما تحولت الورشة إلى رمز للوطن تتحول الأخت الصغرى إلى رمز للمستقبل المهدد بالضياع فيصرخ حسن فى وجه الجميع:
" الورشة مش هتتباع، وكوثر مش هتتجوز أبو عميرة "
وهي أهم صيحات المقاومة على الإطلاق، بدون أي مبالغة ولا خطابة، ويخرج حسن ليستأنف رحلة البحث عن منجي، لكنه يواجَه بإخفاقٍ آخر على مستوى الحب في زمن توحُش المادة، حيث يفجع حسن حين يجد زوجته تضع بيع التاكسي الذي اشتراه بنقودها مقابل الطلاق، فالحب ذاته لا يسوى عند الزوجة / الحبيبة خمسة آلاف جنيه، الزوجة التي لا زالت تغريها الأم برفاهية الحياة التي تنازلت عنها من أجل (حسن)، وتأتي المبادرة والتضحية الوحيدة من الأخت التي تعمل بالخليج، فتقدم مدخراتها هي وزوجها التي كانوا يريدون شراء شقة بها ثمناً لغربتهما.
فزوجها الشاب الذي كان زميلاً لحسن نفسه في الحرب، واحد من (شلة القراوانة) والجيل الذي عاد ليتغرب عن وطنه أو يعمل جارسوناً داخله، ويقف عاجزاً يراقب بمرارة ثمرة ما بذله من دم، وكأن هذا الجيل مازال مستمراً في دفع الثمن وحده، دون المطالبة بشيءٍ، فتكون المساعدة الوحيدة الممنوحة من قِبلِه.
وفي مشهد من أروع مشاهد السينما يلتقي حسن بأصدقاء الحرب تحت سفح الهرم في ضوء الفجر على خلفية لحن "نشيد بلادي بلادي" من وراء غيمة تثير الشجن لدرجة البكاء، ولكنها تحث على الاستيقاظ من الغفلة في ذات الوقت!
تنتهي رحلة (حسن) بموت الأب وضياع الورشة الذي كان حتمياً أمام كل هذه الظروف، وتنتهى الرحلة البائسة بعدما تتكشف لـ (حسن) الفجيعة الكبرى، وهي أن كل شئ تغير، وأن الشقيقات بعن أبيهن ثمناً لعلاقاتٍ وحشيةٍ جديدة، ولأن حسن نفسه كان مسؤولاً حين سكت وهو يرى نشالاً يسرق راكباً في الأتوبيس في بداية أحداث الفيلم، فقد أصبح الأمر شخصياً، فنجده يطارد النشال الآخر الذي فعل نفس الشيء في آخر الفيلم، وينهال عليه ضرباً وهو يصرخ في لحظة لا وعي، وتحول تجاه كل سارقي هذا الوطن صارخاً: "يا ولاد الكلب"

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق