الاثنين، 19 ديسمبر 2016

بحب السيما: قراءة فى سينما الطيب

بقلم: أمير مصطفى



اليوم وبعد مرور عقدين كاملين على تصنيف السنيمائيون المصريون لمشوار السينما المصرية عبر قرن من الزمان وترتيب أهم 100 فيلم فى تاريخ السينما المصرية، أحاول إعادة مشاهدة تلك الأفلام المائة لمعرفة الأسباب الحقيقية فى هذا الترتيب للوقوف على سر عظمة تلك الأفلام تحديدا، ومحاولة البحث عن إجابة لذلك.

من أهم هذه الأفلام المائة يأتى الفيلم الأكثر رواجا وجماهيرية بين كل متعاطى الفن السابع عبر الأجيال المختلفة، الفيلم الذى يحتل المركز رقم 28 ضمن قائمة المائة، رائعة عاطف الطيب: البرئ (إنتاج 1986) قصة وسيناريو وحوار: وحيد حامد، مدير تصوير: سعيد الشيمي، مونتاج: نادية شكرى، موسيقى تصويرية وألحان: عمار الشريعى، بطولة: أحمد زكى - محمود عبد العزيز - ممدوح عبد العليم - حسن حسنى - إلهام شاهين، إخراج: عاطف الطيب.

حقائق تاريخية:

هذا الفيلم قد واجه اعتراضات رقابية شديدة, حيث شاهدته لجنة رقابة شكلها مجلس الوزراء من 3 وزراء: وزير الدفاع المشير عبد الحليم أبو غزالة ووزير الداخلية أحمد رشدي ووزير الثقافة أحمد عبد المقصود هيكل في عام 1986، وقد قررت حذف عدد من مشاهده وتغيير نهايته بحجة أن الزمن لا يتناسب مع عرضه، وأخيرا تم حظر عرض الفيلم نهائيا، فى عام 2005 بعد أن وافق وزير الثقافة المصري فاروق حسني- في انتصار نادر لحرية الرأي والتعبير في العالم العربي- على عرض النسخة الكاملة لفيلم البريء من دون حذف للمرة الأولى على شاشة السينما بعد 19 عاما من إنتاجه، وبالفعل تم عرض الفيلم كاملة وبدون تقطيع الرقابة في أبريل 2005 في مهرجان السينما القومي تكريما للفنان الراحل أحمد زكي.



عن الفيلم:

هذا الفيلم يحمل أكثر من فكرة واحدة، فهو يتحدث عن الحرية بمعناها الشامل، وذلك عن طريق إظهار لمحات من الفساد السياسي في مصر بعد سياسة الانفتاح، وبالتحديد خلال فترة ما سميت بانتفاضة 17 و18 يناير 1977, كما أن الفيلم يتحدث عن فكرة تحول الإنسان إلى آلة مبرمجة من أجل خدمة سلطة معينة، ويختصر بعض النقاد فكرة الفيلم بعبارة قمع الحرية بجهل الأبرياء، فقصة الفيلم تحكى عن أحمد سبع الليل) أحمد زكي ( الشاب الريفي الفقير الذي يعيش مع أمه وأخوه عبد الصبور المتخلف عقليا، لا يعرف أحمد سبع الليل من الدنيا إلا قريته حيث لم تمكنه ظروفه الاقتصادية من التعليم، مفهومه عن الوطن مفهوم بسيط فالبلد بالنسبة له هي الحقل الذي يزرعه بنفسه والترعة التي يقذف بجسده فيها ليقاوم حرارة الصيف، والأعداء هم من يمكن أن يراهم رؤيا العين وجها لوجه، حيث يتوقف استيعابه الذهني عند ذلك الحد، والترفيه الوحيد الذي يمارسه بعد عناء يوم شاق هو محل البقالة الوحيد الذي يتجمع عنده بعض شبان القرية لقضاء الوقت بالحديث أو بالتسلي بالسخرية من السذج أمثال أحمد سبع الليل.

الشاب الجامعي الوحيد في القرية حسين وهدان (ممدوح عبد العليم) المتعاطف مع أحمد سبع الليل والذي يمنع الشباب الآخرين من التمادي في السخرية من سذاجته، ويقوم بتشجيعه على تجنيد نفسه في القوات المسلحة للدفاع عن البلد ضد الأعداء، حيث يمهد (عاطف الطيب) بهدوء وذكاء ظهور كل شخصية في الفيلم، بداية من أحمد سبع الليل ودعائه البسيط أن يلطف الله الجو ويطرح البركة فيه والبقرة ويحفظ الزرع من الحشرات، وكلامه مع الحمار كأنه في حديث مع زميل العمل، السذاجة الواضحة في الشخصية، كلها أمور توضح للمشاهد بطل الفيلم، ثم ينتقل إلى البطل الثاني حسين وهدان (ممدوح عبد العليم)، المتعلم، الوقور، المثقف، البشوش، وأخيرا البطل الثالث العقيد توفيق شركس (محمود عبد العزيز)، وقمة الازدواجية والفرق الهائل بين تعامله مع أسرته والمعتقلين، حيث يشارك طفلته في اختيار هدية عيد الميلاد ويرفض أن يبتاع لها لعبة على شكل عسكر وحرامية وإنما يختار لها آلة موسيقية رقيقة هي الجيتار، بل إنه لا يتعامل بغلظة مع شرطي المرور الذي يعنفه لوقوفه بسيارته في الممنوع ، وهكذا يوضح (عاطف الطيب) الشخصيات الثلاث المحورية في الفيلم ببساطة شديدة دون أي محاولات للتحذلق، وعندما يتم استدعاء أحمد سبع الليل للتجنيد الإجباري ولأنه لا يعرف ما معنى التجنيد فيقوم حسين وهدان بتوضيح معنى التجنيد له فيقول أن الجيش يحمي البلد من أعداء الوطن، وهنا يرد أحمد: "بس بلدنا ما لهاش أعداء" حيث مفهوم الوطن لديه هو حدود القرية كما سبق أن أوضحنا، وهذه الجملة هي مفتاح أحداث الفيلم، يتضح فيما بعد أن المطلوبين لأداء الخدمة العسكرية يخضعون لبرنامج مكثف من الفحص الطبي، بالإضافة إلى تصنيفهم تصنيفا ثقافيا وعلميا، فيصبح أحمد سبع الليل الأمي الذي يجهل القراءة والكتابة، في ذيل القائمة وينتهي الأمر به إلى الانخراط ضمن قوات حراسة أحد المعتقلات الخاصة بالمسجونين السياسيين في منطقة صحراوية معزولة، وهناك يتم تدريبه على إطاعة الأوامر بأسلوب أعمى يتطلب تنفيذ الأوامر بدون أية مناقشة حتى ولو كانت منافية للمنطق.

في المعتقل نرى العقيد توفيق شركس يتحول إلى وحش بشري، لا يخضع لأي وازع إلا إرضاء الرؤساء الذين يكلفونه بواجبات منصبه، فيبالغ في التنكيل بنزلاء المعتقل، يرى أحمد سبع الليل أن المعتقلين يجبرون على تناول الخبز من الأرض وأيديهم خلف ظهورهم، فيسأل لماذا؟ فيقول له الشاويش هؤلاء أعداء الوطن.

من بين المعتقلين نرى الكاتب رشاد عويس) صلاح قابيل) وأستاذ الجيولوجيا) جميل راتب(، ولسذاجة أحمد وبساطته فأنه يعترض على أن يقدم الجيش الطعام لأعداء الوطن ويقوم بحراستهم بكل يقظة والعمل على إجهاض أية محاولة من أحدهم للخروج عن نظام المعتقل، ولا يتأثر على الإطلاق بسوء المعاملة وقسوتها، التي يبديها قائد المعسكر العقيد توفيق شركس وضباطه للمسجونين؛ إلى حد الإهانات الجارحة والتعذيب البدني المبرح، بل إن أحمد سبع الليل يرى أنه من المفروض قتل هؤلاء الأعداء لكي يعود كل عسكري لغيطه وداره!

تمر أحداث الفيلم سريعا بعد ذلك وتعكس صورة لواقع مرير من تزييف الحقائق حينما يتبدل حال السجن فور ورود معلومات بوجود لجنة تفتيش لتقييم السجن، فيعامل المساجين معاملة طيبة وتفتح لهم مكتبة وملاعب كرة القدم، وما إن تنتهي اللجنة من عملها وتغادر المعتقل حتى تعود الأمور لحالها السيء في البداية.

يستعمل المخرج الناي كرمز للإنسانية، فأحمد سبع الليل يعشق الناي، وعندما يعزف أحمد على الناي في موقع حراسته يأمره الشاويش بإلقاء الناي، ونرى الناي، وهو يسقط من برج الحراسة إلى الأرض وتنتهي الحركة الأولى من الفيلم، وتبدأ الحركة الثانية بالغناء الجماعي للمعتقلين من تأليف عبد الرحمن الأبنودي دون موسيقى (أغني بدموعي لضحكة الأوطان).

يبدأ في الجزء الثاني من الحبكة محاولة الكاتب رشاد عويس الهرب، ولأن الحارس الساذج أحمد يؤمن فعلا بأن المعتقلين أعداء الوطن، يقوم بمطاردته حتى آخر نفس، لتنتهي المطاردة بمعركة بين الجندي الشاب والكاتب المعتقل يزهق فيها الفتى روح الرجل خنقا وسط هتاف المعتقلين إنت مش فاهم حاجة، وهو يعتقد أنه يطهر الوطن من مثل هذا العدو، وتكون مكافأته إجازة يذهب فيها إلى قريته وترقيته إلى رتبة العريف تقديرا لشجاعته وبطولته.

تأتي قمة الإثارة في الفيلم حينما يأتي مجموعة من طلاب الجامعة للتأديب في المعتقل لتعبيرهم عن رأيهم ويستعد أحمد بالعصا في يده لتأديب أعداء الوطن، ولكن المفاجأة أن أحد الطلاب هو ابن قريته حسين وهدان الذي يحبه أحمد حبا كبيرا، وتعلم على يديه العديد من أمور الحياة وواجبه تجاه الجندية، وهنا يعصي أحمد الأوامر ويمتنع عن ضرب ابن قريته، بل ويدافع عنه ويصرخ وهو يحميه بجسده ويتلقى السياط عنه ده حسين أفندي ابن الحاج وهدان، أنا عارفه، ده لا يمكن يكون من أعداء الوطن.

هنا تبدأ الحركة الأخيرة من هذا العمل السينمائي، وفيها يعاني أحمد لحظة التنوير عندما يدرك أنه لا يحارب أعداء الوطن، ويسجن مع حسين، ويموت حسين بين ذراعي صديقه متأثرا بلدغة ثعبان، ويعود أحمد إلى عمله وعيناه تقولان إنه قرر أمرا، ولكن أحدا لا يستطيع التنبؤ به، مرة ثانية يغني المعتقلون أغنية حزينة عن تبديل الحقيقة، وقلب المعاني، ويعزف أحمد على الناي القديم الذي صنعه بيديه، ومن موقعه في برج الحراسة، الناي في يد، والرشاش في اليد الأخرى، يرى السيارات قادمة تحمل المزيد من المعتقلين، فيرفع الرشاش ويصرخ صرخة مدوية ينتهي معها الفيلم كما عرض على الجمهور، ولكن الفيلم في نسخته الأصلية يتضمن خاتمة يطلق فيها أحمد الرصاص على الضباط والجنود، ويلقى مصرعه بدوره على يد أحد الجنود، بينما المعتقلون يدقون أبواب سيارات النقل الكبيرة من الداخل ويطالبون بالحرية.

يتقمص أحمد زكي الدور لدرجة تصيب المشاهد بالخوف، خلال 12 دقيقة من عمر الفيلم هي المقدمة، قبل التتر، يؤكد المخرج خلاله أن الشخصية أهم من اسم الفيلم أو التتر، أو حتى من اعتبار البطل، بريئا أو متهما، كذلك نجد علاقة الحب البريئة عامل مهم في الفيلم، حيث يقع أحمد سبع الليل في غرام نوارة أخت حسين وهدان (إلهام شاهين) وهى من ضمن أسباب إرتباطه بحسين وهدان، أما العقيد توفيق فهو يمر بأزمات عاطفية مع زوجته، والأستاذ حسين يتعامل مع الوطن الحبيبة.

الصراع القائم والأبدي بين السلطة والمثقف والمواطن، حيث السلطة ليس لها عزيز، فالكل خائن طالما يغرد خارج السرب، السلطة تريد الكل آلات مبرمجة لخدمة مصالحها، وهذا الفيلم لا يهاجم الدولة بقدر ما يهاجم الواقع و يعلن رفضه لمجريات الأمور ويعلي من حيرة الإنسان أمام خياراته.

أخيرا كانت النهاية المحذوفة هي النهاية المنطقية، حيث تولد شخصية جديدة من رحم ما رأت، من جوف الثلاثي المتشابك، يثأر سبع الليل لصديقه حسين أفندي، ليقتله جندي لا تعلم ماهيته، وتستمر الحياة كما بدأت، وكأن الفيلم يؤكد على إستمرار عبثية المأساة التي لن تنتهي بمجرد موت أفراد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق