بقلم: أميرة عزالدين
كعادة أعمال نجيب محفوظ لا توجد الكثير من الروابط بين رواياته وبين المعالجات الدرامية التي قدمت لها، فكانت تلك العبارة- السيناريو فن مستقل بذاته- حكما جامعا مانعا على كل ما قدم من تراثه الذي يشبه الأصل فقط في إطاره العام، وربما يندهش البعض حين أعلن أنني كنت أتذوق معالجات أعمال محفوظ أكثر من الأعمال نفسها أحيانا وأفرق بين الأعمال المقدمة بأكثر من معالجة وأنتقي المعالجة الأكثر قربا لذوقي لا للعمل الروائي الأصلي، فأفضل مثلا شخصية السيد أحمد عبد الجواد التي قدمها الفنان محمود مرسي للتليفزيون- كما رسمها المبدع محسن زايد- أكثر من مثيلتها التي قدمها يحيى شاهين، واستمتعت بدراما حديث الصباح والمساء أكثر من استمتاعي بالنص الأدبي الذي كتبه محفوظ على طريقة التأريخ لحياة أبطاله دون حكي درامي، كذلك بالنسبة للكرنك والحرافيش وغيرها؛ وصولا إلى أفراح القبة التي قدمها السيناريست الموهوب محمد أمين راضي كرؤية مغايرة للنص الأدبي أيضا؛ ولكن في جرأة تنقص الكثيرين بعد تقديمه لأعمال درامية من تأليفه، فأبدعه كما لو كان نصا من بنات أفكاره..
في النص الأصلي لأفراح القبة قدم محفوظ فصولا قليلة حول الشخصيات الرئيسية وعلى لسانها روى الحكاية، في الدراما التليفزيونية لم يكتفِ راضي بالحكي عن عباس وكرم وحليمة وسرحان؛ بل حاك بمهارة شديدة تاريخ وتفاصيل لكل شخصية وما يحيط بها من شخصيات ثانوية..
عباس كرم؛ في ظني كان الشخصية المحورية للعمل، فهو تلك النبتة التي غرسها أبوين يحمل كل منهما أوزار ماضي أجبرا عليه؛ تحاول الأم أن تنأى بابنها عنه بينما لا حيلة للأب في ذلك، فالأم- حليمة- كانت تلك الفتاة التي سلبها ابن الأكابر شرفها بعد أن غرر بها باسم الحب، لكن رغم ذلك لم يكن بكاؤها مبررا في نهاية المشهد الذي اسلمت فيه نفسها لسرحان بإرادتها، أما الأب- عباس- فكان طفلا لأم بلا زوج تحولت فيما بعد لإمرأة بلا شرف كانت ازمة حياة ابنها الوحيد ومثار خجله الذي طارده لنهاية عمره حتى بعد أن اعتاد على معايشته والتبجح في وجه المجتمع دون إنكاره..
لذلك، خرج عباس مشتتا بين الملاك الذي حاولت أمه الحفاظ عليه لتصلح ما أفسده الزمان، وبين الشيطان الذي سلم له كرم يونس في يأس بأنه هو ونسله ملوثين بالانحلال مهما حاول الهروب، ومنذ اكتشافه لخطيئة زوجته في ليلة الزفاف؛ تحول إلى ذلك الذي يتكسب من انحلاله قدر ما يستطيع لأنه لا يملك المقدرة على الهروب منه، إلى هنا فنحن أمام ثلاث شخصيات بنى عليها راضي الحدث في المجمل دون أن نشعر بذلك إلا في الحلقات النهائية لأنه استعرض لنا ما يحيط بهم قبل أن يرسي بنا هناك؛ في بيت كرم يونس..
صابرين التي أدت دور حليمة لم تفاجئني ببراعتها في الحقيقة، فهي تشعرني على الدوام بأنها في تحد مستمر لشخصية أم كلثوم التي التمع فيها نجمها وراهن الكثيرون على قدرتها على تقديم الجديد، وصبري فواز- أو مولانا كما اعتدنا تسميته منذ دوره في العهد- قدم لنا شخصية كرم يونس في يسر أجبر خيال المشاهد على رفض أي ملامح مغايرة لتجسيد هذه الشخصية المركبة نفسيا ودراميا، فكرم كان الصورة التي سيصل إليها عباس لو استمر به العمر لولا تدخل حليمة في مرحلة ما من عمره وتحية في مرحلة لاحقة، كرم يونس حاول الهروب من أوزار ورثها بلا ذنب لكنه في النهاية استسلم وحاول الاستمتاع لأنه لا يمتلك شجاعة محاسبة نفسه، وذلك هو الأمر الوحيد المشترك بينه وبين ابنه عباس، هو هرب ليحيا على غير ما تمنى، ووقع في غرام فتنة التي آذاها بحثا عن المصلحة- وفعلت هي من قبله- ليعيش كل منهما بذنب الآخر حتى النهاية، بينما حاول عباس الهرب أيضا فمات، في تلك المشاهد التي أخذ يقص فيها كرم حكايته للكاميرا؛ كنت أشعر أن المخرج المبدع محمد ياسين قد تركها لمولانا ليرتجلها دون أن يقيده بحوار، فرأيناه كما لو كان يفكر معها بصوت مرتفع، أو يتحدث لغرباء لن يخجل من التعري أمامهم إن استدعى الأمر، في الحقيقة لن أندهش لو كان راضي تصور مولانا بنفسه أثناء كتابته للدور..
أما عن أداء محمد الشرنوبي- الذي عاد ليكون ابن صبري فواز مرة أخرى بعد العهد- فكان مثال حي على أن ابن الوز عوام ولو عام في بحيرة التمثيل لا الموسيقى كوالده وعمه، الشرنوبي قدم- مع الطفلين المؤديان لدور عباس في مراحلها المبكرة- تناغما جعلني أشعر كما لو كان ثلاثتهم اخوة في الحقيقة، نفس التعبيرات والنظرات وردود الأفعال، وإن كان الشرنوبي قد انفرد بالأداء التمثيلي الممزوج بالغناء في بعض المشاهد؛ ليعكس صوته حالته المزاجية في الحدث بأكثر مما كان سيفعل الحوار..
من حول الثلاث شخصيات عالم رسم بدقة جعل الاستغناء عن جملة حوارية لأحد الشخصيات محال، نسيج حي عاش معه الأبطال الثلاثة لتحكم فصول الرواية بهذا الشكل.. تحية وأسرتها.. أهل المسرح على رأسهم طارق وسرحان ودرية ومن قبلهم فتنة، وبرجل وأم هاني أكثر الشخصيات التي تمثل حلقة الوصل بين الواقع وما يقدم في التياترو..
تحية- منى ذكي- كانت النسخة المؤنثة لكرم يونس وليس عباس، وبخلاف شقيقتيها سنية وعلية لم يرسم لها تاريخ يسبق الأحداث، اللهم إلا في التلميح للسر الذي تخفيه هي وأمها، في حين رسمت لسنية وعلية حياة وتاريخ عاشتاه قبل أن نتعرف بهم، منى ذكي فاجئتني بمنطقة تمثيلية أخرى بعيدا تماما عما قدمت في السابق، فكانت الفتاة التي تمتلك جوانب ووجوه عديدة؛ تدور رأسك دون أن تتمكن من معرفة هي أيهم، الفتاة الرقيقة أم الانثى المغرية أم الأم الملكومة، أم الحبيبة المنكسرة والتي لم تتمكن من إنقاذ ما تبقى من نقاء روحها.. إنها "تحية" منى ذكي لنا بعد غياب..
طارق- إياد نصار- الذي حرم من أمه ومن كل دفء في طفولته ليتحول إلى ذلك الرجل الهارب من أي مسئولية على الدوام لدرجة وصلت لأنه قد يبيع رجولته ليتكسب منها، فظل رغم حبه لتحية غير نقي دون أن يحاول حتى ادعاء غير ذلك، وكانت العلاقة بينه وبينها متفردة دون أغراض حتى طالبته بالزواج، إياد نصار أبدع هذا العام في تقديم شخصيتين من اعمق ما قدم على الإطلاق في مشواره، عيسى السيوفي في 7 أرواح، وطارق رمضان- ابن نادية الله يرحمها، طارق على انحلاله وبؤسه لكنه كان ملاكا مقارنة بأخيه من أمه- سرحان- الذي يخفي حتى أخوتهما، والذي كان قاسيا طامعا جامدا طوال عمره، أو كما وصفه طارق- في إحدى الحلقيتين اللاتي كانتا مباراة ثنائية رائعة إياد نصار وجمال سليمان- أنه ورث مع مال أبيه قسوته، طارق حرم كثيرا وحين حاول العمر إعطاءه فرصة جديدة أضاعها؛ ليندم عليها بشكل كاد أن يقتله نفسيا، حتى أتاه النجاح على يد من كان جزءا من حرمانه من حبيبته في مفارقة محكمة..
سوسن بدر؛ قدمت لنا شخصية وتركنا نصدقها ونتعامل معها بشكل بديهي ولو كنا نحتقرها، رفضنا تلك المستويات الأخلاقية القائمة على كل ما تكسب به تلعب به، لكنا عشقنا سوسن بدر كالمعتاد..
درية؛ أو صبا الحلوة التي أحببتها منذ إطلالتها في حكايات بنات وبنتين من مصر وحتى اليوم، لعبت دور درية ببراعة رغم أنه يحمل الكثير من التعقيد النفسي، ونجحت في كسب تعاطفنا في النهاية ككل شخصيات العمل التي همس لنا راضي من خلالها- طوال العمل- بأنهم مهما انحدروا ومهما تدنت أو انعدمت مبادئهم فبداخلهم بصيص نور..
سلوى عثمان المرعبة التي جعلتنا نتساءل أين كانت طوال الوقت؟!.. لقد قدمت شخصية عفاف أو أم هاني التي تحولت من زوجة وأم إلى عشيقة شرسة؛ تدرك تماما أنها خاسرة أمام تحية في قلب طارق لكنها تستمر شرسة جارحة لنفسها قبل أن تكون لمن حولها..
سامي مغاوري؛ تاريخ طويل أمتعنا كثيرا وتركنا أمام مشهد وفاة زميلهم في الفرقة نشاهد ونرتجف في صمت بعد أن نبدأ في حساب عدد الأحبة الذين سبقونا إلى الرحيل..
أمر وحيد وترني بعض الشيء في العمل؛ وهو تنقلات السيناريو عبر أكثر من زمن؛ بشكل كاد أن يلقي بنا في فجوة زمنية دون أن نشعر، لكن ما دون ذلك كان العمل قطعة فنية متكاملة تستحق تحية تقدير لأمين راضي الذي خاطر بدراما عن نص قديم ومعروف وكأنما يتحدى نفسه في أعماله السابقة، واستعرض لنا قدراته الفنية في براعة مذهلة، وإن كان اسمه أغفل على تترات ذلك العمل فبالتأكيد لن نغفله نحن..
تحية أخرى للمخرج الكبير الذي أمتعنا بكل تفاصيل العمل بداية من الاستعانة بموسيقى هشام نزيه الرائعة، إلى الديكور والصورة التي عكست ألوانها كلاسيكية صور الخمسينيات، مرورا بهدوء صور الستينيات، وحتى صخب ألوان السبعينيات، فخرج العمل بصورة جعلتنا نشعر أننا كنا هناك نحياه معهم..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق